Esam Eldean Elshaka سرد

24

ربما يبحثون عن نص ، ربما يتجملون !
ربما يقضون وقت فراغهم أو هكذا يتوهمون!
يتربعون فوق المقاعد،يفرغون جراب الحواديت،أحيانًا يتشدقون بالمعسول.
– أتعجن الألفاظ بالعسل؟
– أيفيد الكلام عن كلام؟
– لا أدري ، لا أستريح لهذا الحفل.
– لماذا أتيت – فعلًا – إلى ما لا تركن إليه؟
– لا أخفيك سرًا إنني لا أنصت إلى ما يقال أو يثار.
جئت لأرى الوجوه،التي لم أرها قبلًا ، وجوه حليقة الشعر ،متكلينة،ووجوه يرهقها التعب كأنها قدت من صخر بأزميل ثلم،أسفل جلد الرأس عقول تبحث عن وجود .
– أتدرك هذه الأدمغة الوجود الذي تريده؟
– أي نعم تخطط لما تبغيه!
– لماذا يكابدون مشقة المجيء؟
انظر إلى هذه المرأة ؛ جميلة ؛ أليس كذلك؟
أعتقد أنها من زمرة الشاعرات، على وجهها بثور أكاذيب خلفها السهر،أتراها في دائرة الخواء؟ ، ألم تسمع هسيس قدميها الداهستين الشقة مائة ألف مرة؟، تجلب زهرة وإناء الحروف،تشم العبير،تلسعها الأشواك،تمارس التجربة،تخشى فضيحة الحروف، تمزق الورقة،تسقط فى التكرار متدثرة رداءً فضفاضًا،يخبئ بين جنباته جنوح الهوى والوهم ، تتسلل – عنوة – إلى لاقط الصوت،تنشد عبارات قالت إنها شعرًا،يرتج جسدها الموبوء بعفن التخبط ، يا ليتها ما قالت وما نطقت!
الرجل الذي يجاورني يتجمر فى جسده المعروق،أسفل قميصه جلباب،تنتفش أوداجه، يشعل غليونه،يربكه القلق،يجلس،يقوم،ينام،ينزلق أسفل السرير،يسكب مِخْلَاته؛ كلام مرصوص فى سطور قديمة ، يبحث عن كشكول حكمته المعنون: الحياة أسطورة.
الإضاءة أسفل السرير خافتة،ترسم ظلالًا، يعتري الحروف الشتات،أرض قاحلة مجدبة فى دفتره؛في الحقيقة إنه كان لا يملك إلا أربعة قراريط، باعهم قبل أن يستقل القطار إلى العاصمة،استأجر غرفة بمنافعها،اشترى سريرًا مستعملًا،أمسى مرتعًا للذكريات و الكوابيس ، يعرض مِخْلَاتَه على حوانيت الكتب،ما أكثر السطور التي وأدها دون ذنب؛ فقانون الترويج له أحكام الطمس،يلملم الرجل حكاياته التائهة،لم يسجل نجاحًا فوق الفراش، حشية اللوف والدائنون مرابطون،دعك من شأن هذا الرجل،فلن يجد منك سوى السخرية.أقترب من هذا الصحفي الكبير، تشرئب له الأعناق،بيده النَشْر الذي هو غاية كل الجالسين؛فى جيبه الحبل وما ـ كثر الغسيل،رابطة عنقه رفيعة كالدوبارة،يتصفح الرواية موضوع الندوة،ربما تعلق بذهنه بضع عبارات،يلقيها على الآذان،الحضور يترقبون نظرات عطف،ربما تعصف بهم الخزعبلات! ، ربما ترديهم الهواجس! ، يجهزون صورًا إبهامية، المرأة تعجن قصيدة على السريع مستدعية خيوط مدح مكرورة ، والرجل يدبق أنامله بأسطورة نفيسة وعويس ،الآن حل الدور على الناقد ، يستغيث.
– المماليك قادمون،فليتأهب الرماة فوق الأسوار،اجمعوا الحجارة،سنوا السيوف،ارتدوا الخوذات ، ودعوا النساء والغلمان .
اختلط الأمر على الناقد،فالمماليك يحكمون البلاد ، يا سيدي الناقد ، يحفز العبيد للانتفاض ، سأترك الرجل يغوص ويسترسل ويصطاد اللآلئ .
تهجر نفيسة – فجأة – عويس ، تخلعه ، مئات الأشخاص يخرجون،ينفضون غبار النعاس،يسبحون فى الفضاء،ينصبون المشانق،صراخهم الصراخ،يمزقون النصوص، تتزه معالم الطريق المرسومة لهم ، تتناثر جذورهم فى الأجواء،يتظاهرون.
يصيحون:
– لا نظام لا نصوص.
تضيق الغرفة أكثر،المئات يصطحبون المئات؛الساهرون والغافون والجائلون جميعهم يحضرون.
تتوحد الأصوات:
– الخلاص.
عويس يجرجر نفيسة إلى قاضي المعارضات:
– فلوسي وبيتي وغيطي يا باشا.
تلاحقه نفيسة قبل تسلله من النص:
– ذلني وعايرني .
فى النص المتاخم ترن العبارة:
– يا بيه خانتني علنًا .
القاضي يتفلسف:
– خيانة العلن جناية،وخيانة السر لا يقوم عليها دليل .
فى نص ثالث تسخر امرأة :
– موكوس ومنفوش وجيبه مقطوع.
وفى الركن البعيد موظف يشكو لزملائه:
– يا بهوات ليل ونهار شغل والحلة فاضية.
فوق الطاولة محطزط عنوانه :
– أتتساوى الأشغال؟
لغط الأحاديث يزن،تتبدل القاعة إلى معمل أبواق،آلاف الأحبال الصوتية تهتز،ترتجف الأيادي فتقع الأوراق، يولي المتثائبون الأدبار،تنفضهم المقشات والعِصِي، يبللهم إخراجات الروايات،يتبادل الشخوص الأدوار، فوق المنصة الرئيسية تشع الخطب الحماسية.
– الموت للمخرج .
بصراحة أشعر أن معالم النص تبخرت،أفقدتني القدرة على التركيز ، المرأة والرجل والصُحُفِى الشهير جميعهم هربوا، تركوا الجمل بما حمل؛ كومة زلط وسكاكين، تعهد الأنامل الخشنة القذائف،تتطاير الهامات،تأبى النصوص المحطمة الرجوع إلى سيرتها الأولى ، يستدعي العسس،يختبئ الملوك خلف شرفات القصور،تلج المفاتيح أقفال الزنزانات، يتجمع العمال والفلاحون على مشارف الطرق،يحرق التلاميذ الكراريس،يشج الرخام المسنون الجباه،الهراوات تلسع الظهور،نهيق وصهيل وثغاء أنغام سيمفونية الاقتحام،ارتطام الحجارة بالأسفلت نغم هادئ ،تتعالى النغمات فى الساحة،ركوض ورضوض وجروح نازفة،عربات كسر الرخام تتحرك،يحاول عويس منع السيارات من التحرك،تدهسه،تستيقظ فى نفيسة بقايا عشق لم يحق به الذبول.
تشتم:
– يا أولاد الكلب.
تشق الصفوف مولولة:
– قتلوه.
مشروع الهرب من الساحة تلاشى فى الأذهان،تكتيكات الهرب لم تعد مجدية الآن، فالحرية لهم كاملة فى صناعة نص جديد،كرهوا الدائرة الحمراء التى تؤطرهم،اقتحموا الدروب المحرمة عليهم،يتذمرون،يتمردون،يحطمون أسوار السجون،يصهرون القيود، تضيق بهم أفئدة وعقول أربابهم،النهايات المُفجِعَة تنتشر في الأجواء،لا تنطلي عليهم الخديعة، هجروا السرقات اليسيرة،خذل قصص حبهم النضج، لفظوا الأودية والفيافي التي سافروا إليها دون هُوِيَّة،خلعوا أرديتهم الممزَّقة والضيقة.
عويس قبيل رحلته يقول:
– أللسجن غواية؟
بنبرات رائقة يعقب الحكيم:
– المؤلفون لم يتحرروا بعد.
يتوحد النداء:
– تبًا للكتاب .
الحكيم يقود الحناجر:
– يسقط الغلاف.
يرجعون إلى القاعة ثانية،رجال ونساء وصُحُفِي شهير وناقد،موسيقى تصويرية تعزف لحن المجد للنصوص.
تمت بحمد الله
عصام الدين محمد أحمد

 61 total views,  1 views today

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق