Abeer Tawfiik قصه قصيره “رهين المحبسين” بقلم عبير توفيق

17

هل هي قسوة الأيام ؟ أم جفاء وبرودة الأوطان؟ أم حلول الوباء والأسقام ؟ أم كل هؤلاء جميعا تحالفوا عليه وأقسموا بجهد الأيمان ألا يتركوه يهنأ بالحياة ويمر من بين أيديهم مرور الكرام ؟ لقد بدأ الشك يتسلل إليه شيئا فشيئا عندما شعر بظهور بعض الأعراض عليه ، والتي أصبحت معلومة لدي الجميع ، ولكن هذا الشك تربع واستقر داخله ليصبح يقينا بعدما جاءه هذا الإتصال من وزارة الصحة التابعة للدولة العربية التي وفد إليها منذ أربعة أشهر سبقت إنتشار الوباء ، ليخبروه بأن نتيجة المسحة التي قام بها منذ ثمانية وأربعين ساعة أثبتت إيجابية الڤيروس ،وأن عليه بالحجر المنزلي وعدم المخالطة ، لحين خلو أحد الأسرة فسوف يقومون بإرسال سيارة الإسعاف له لتأخذه للحجر الصحي بالمستشفي ،وأملوا عليه باقي التعليمات التي يجب عليه إتباعها ، وهنا بدأت الهواجس والأفكار السوداء تتلاطم داخل رأسه وكأنها امواج عاتية في يوم عاصف ، محدثا نفسه قائلا : إيجابية الڤيروس ، (كورونا ) وأنا مريض سكر ومغترب و ليس معي أحد وأسكن بمفردي ، لقد كنت أمني نفسي بأن كل ذلك مجرد نزلة برد وسوف تزول بتناولي بعض المسكنات مثلما حدث مع زميلي بالعمل ، يا إلهي ماذا سيكون مصيري ؟ هل سأنجو من هذا الوباء ؟ وماذا لو إختارني الله إلي جواره هل سأدفن في بلاد الغربة ؟ وماذا عن المبلغ الذي إقترضته من الأهل والأصدقاء لشراء عقد العمل قبل مجيئي إلي هنا ؟ والذي لم أشرع بعد في سداده إلا بعد الإنتهاء من سداد مصاريف الإقامة ،وهل أخبر زوجتي ؟ وأمي التي لو علمت بذلك فلن تتحملها قدماها وسوف تهوي علي الأرض من هول الصدمة ، وماذا عن أولادي الصغار والوعود التي قطعتها علي نفسي لهم بتحقيق أحلامهم البسيطة ؟ والفرحة التي أتخيلها كل ليلة علي وجوههم عندما أعود إليهم محملاً بالهدايا والألعاب ، أصبحت كل هذه الأسئلة تجوب برأسه ذهابا وإيابا ولا يجد لها من جواب يهدئ من روعه، وبدأت الحرارة في الإرتفاع لتلهب نار قلبه قبل جسده ، ومن حين إلي آخر تنتابه رجفة شديدة وكأنها زلزال مدمر لو قيست علي مقياس ريختر لفاقت قوته ، وأثناء ذلك الطوفان الذي تملكه ،إذ بهاتفه الجوال يدق ،إنه الموعد اليومي للقاء الأسرة بأكملها علي وسائل التواصل الإجتماعي ، صوتا وصورة ، اللقاء الذي يؤنس وحدته بعد عناء يوم شاق في العمل ، و يخفف عنه آلام الغربة ووحشتها ، فماذا يقول لهم وهو لا يريد أن يخبرهم بأي شئ ؟ولا يستطيع التحدث معهم لأن السعال أصبح ملازما له و لا ينقطع إلا قليلا ، وأيضا لا يريد أن يدخل الهم والحزن عليهم ، فيكفيهم ماهم فيه من جهد المعيشة ،وهنا قفزت حيلة إلي رأسه ،فقد قام بإلغاء المكالمة الصوتية واستبدلها بكتابة الرسائل ، قائلا : لقد سقط مني الهاتف علي الأرض وتعطل الصوت ولن أستطيع التواصل معكم إلا كتابة إلي أن تنتهي فترة الحظر وأقوم بإصلاحه ، ونجحت حيلته ، وبعد أن إنتهي من محادثتهم ، غالبه النوم لدقائق معدودة ليستيقظ منه علي الحمي التي تمكنت من جسده النحيل فلم يعد يجدي معها أي شيء ، لأنه لا يوجد أحد معه يقوم علي رعايته ، فكل ما استطاعه هو أن إتفق مع صاحب البقالة و التي توجد أسفل البناية التي يسكنها أن يرسل له كل يوم بعض الأغراض من خبز وحليب وغيره علي أن يتركها له امام الباب ،وذلك منعا لإنتقال العدوي له ، ثم يقوم هو بعد ذلك متحاملا علي نفسه بأخذها ليقتات منها القليل ،فلم يعد لديه شهية بعد ، ومر يوم والثاني والأمر يزداد سوءا ، وهنا أيقن أنه بات رهين المحبسين رهين الغربة ووحشتها والتي تخلو من كل مظاهر الدفء ، وأيضا رهين الوباء الذي توغل فيه كالوحش الكاسر و نال منه بسرعة فائقة ، وعاود الإتصال مرة اخري بوزارة الصحة ، لأنه لم يستطع التحمل بعدما شعر بصعوبة في التنفس ، فأبلغوه بأنهم سوف يرسلون له سيارة الإسعاف في الصباح الباكر لتأخذه للحجر الصحي ، وفي هذا الصباح المرتقب صعد عامل البقالة مبكرا ببعض الأغراض مثل الأيام السابقة ليتفاجأ بأن القطط التي تكتظ بها البناية قد نبشت الأكياس البلاستيكية والتي تركها له بالأمس وبعثرت جميع محتوياتها ، ليسوده الهلع والفزع فدق الباب بشدة مرات ومرات ، ولكن هيهات هيهات فليس هناك من مجيب .

 37 total views,  1 views today

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق