202

مقتطفات في تفسير الجزء الثالث 

الجزء الثالث من القرآن (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض)

هذا الجزء الثالث مؤلف من شطرين: الشطر الأول تتمة سورة البقرة التي استغرقت الجزأين الأوليين.

والشطر الثاني أوائل سورة آل عمران.

الشطر الأول : وهذه البقية الباقية من سورة البقرة تحدثت عن الرسل والإيمان بهم، كما أنها استكمال لموضوعها الرئيسي (أنت مسؤول عن الأرض) في الجوانب الاقتصادية والمالية.

والشطر الثاني : هذا الشطر في سورة آل عمران يتحدث في نفس موضوع الجزء عن الرسل عليهم الصلاة والسلام آل إبراهيم وآل عمران.

هدف الجزء الثالث من القرآن الكريم:

تقرير حقيقة الإيمان بالرسل جميعا وأن دينهم واحد هو(الإسلام).

ومن ثم يكون الدين الذي يقبله الله من عباده هو «الإسلام» وهو في صميمه كتاب واحد، وهو في صميمه دين واحد الإسلام. والذي يلتقي عليه كل المؤمنين أتباع الرسل.. كل في زمانه…

ويتكئ سياق الجزء على هذا الهدف ويوضحه في أكثر من ستة وثلاثين موضعا بشكل ظاهر ملحوظ..

الجزء الثالث من القرآن (تلك الرسل …):

هذا الجزء مكون من ثمانية أرباع:

ـ الربع الأول: في هذا الربع من سورة البقرة تقع آية الكرسي التي تكشف عن جملة من صفات الله العليا وأسمائه الحسنى، تعريفا بسمات الألوهية وخصائص الربوبية، وهي من الآيات التي من شأن كل مسلم أن يعرفها ويحفظها كما يعرف ويحفظ سورة الفاتحة، وفيه أيضا قصة إبراهيم الخليل، وذكر مناظرته مع ملك من ملوك عصره ادعى الربوبية لنفسه، فانتصر عليه إبراهيم بما أتاه الله من حجج بالغة، وفيه أيضا ذكر الدعاء الذي دعا به إبراهيم ربه ليريه كيف يحيي الموتى ويدرك سر الحياة والموت، ومما اشتمل عليه هذا الربع إثبات التفاضل بين الرسل بعد تقرير فضلهم على الناس جميعا، وأنهم درجات بعضها فوق بعض في الفضل والمنزلة عند الله، وهذا التفاوت الواقع بينهم ليس تفاوتا في طبيعة رسالتهم نفسها، ولا في محتوى عقيدتهم الإيمانية المشتركة، وإنما هو تفاوت في دائرة الاختصاص المحدودة لكل منهم، إذ تضيق بالنسبة لأحدهم فتنحصر في شعب مخصوص دون غيره، وتتسع بالنسبة لأحدهم بالنسبة لبعضهم حتى تشمل شعبه وشعوب العالم أجمع، وهو أيضا تفاوت في المواهب والخصال التي يمنحها الحق سبحانه وتعالى لهم، فمنهم ” أولو العزم ” الذين يتحملون في سبيل رسالتهم أقسى المتاعب وأشد التضحيات، ومنهم من يتحمل ما دون ذلك.

ومن أبرز المبادئ والقواعد الأساسية في الإسلام التي اشتمل عليها هذا الربع قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}

ـ الربع الثاني: مما نلاحظه بادئ ذي بدء في هذا الربع من سورة البقرة اقتصاره من البداية إلى النهاية على موضوع البذل والإنفاق في سبيل الله، وتحريكه لهمم المسلمين وعزائمهم بشتى الوسائل، حتى يقوموا بهذا الواجب الاجتماعي الجليل.

ففي هذا الربع يعلم الحق سبحانه وتعالى للمؤمنين من عباده أدب الصدقة وحسن الإنفاق، ويعرفهم بأن الحكمة في إسداء المعروف من القادر إلى العاجز، ومن الغني إلى المحتاج ليست هي مجرد ترضية حاجاته المادية، وقضاء ضرورياته الحيوية، بقدر ما هي إكرام له، وإعزاز لجانبه، وترفيه عنه، وإشعار له بالإخاء الصادق من جانب بقية إخوانه المسلمين.

ـ الربع الثالث والرابع: لا يزال كتاب الله يوالي في هذين الربعين الأوامر الإلهية والتوجيهات السامية في موضوع البر والنفقة والصدقة، ولا يزال يتولى الدفاع عن حقوق الفقراء من المسلمين بأقوى الحجج وأبلغها تأثيرا في النفوس.

ويوجه القرآن الكريم أقوى الحملات إلى الربا، وأقسى الطعنات إلى المرابين المستغلين، إلى حد أن ينذرهم بإشهار حرب عليهم هي أخطر الحروب وأفتكها، إذ يشنها عليهم الله ورسوله. وفيهما أيضا يتولى الحق سبحانه وتعالى إرشاد المسلمين إلى ما يجب أن تكون عليه معاملاتهم المالية، وعلاقاتهم الاقتصادية، إذ تناولت الآيات الكريمة موضوع الدين وكتابته، والإعسار به وانتظاره أو إسقاطه، وتناولت موضوع الشهادة والشهود من الرجال والنساء، وما للشهود من حقوق وما عليهم من واجبات، وتناولت موضوع التجارة الحاضرة ، والتجارة التي تدخلها الآجال بالنسبة للثمن أو المثمن، والرهن سواء في السفر أم في الحضر ، وبداية سورة آل عمران وفي هذا الربع بيان أن الدين عند الله الإسلام.

ـ الربع الخامس: حقيقة طبيعية فطر الله عليها البشر، ألا وهي حبهم للشهوات وميلهم إليها، فهذه غريزة غرزها الله في طبع الإنسان، إغراء له من جهة، ودفعا له، من جهة أخرى، إلى إبراز شخصيته المسلمة المتميزة الخاصة على وجه سليم، وبذلك لا يتنكر الإسلام لشهوات الإنسان المجبول على حبها، ولا يزدريها فضلا عن أن يطاردها، وإنما يتدخل الإسلام لإحاطتها بما يلزم لها من التهذيب، حتى لا تكون شهوات وحشية، وبما يلزم لها من الضبط، حتى لا تبقى شهوات فوضوية.

ـ الربع السادس والسابع: وفي هذين الربعين الذي نحن بصدد تفسيره يتصدى القرآن الكريم بتفصيل وافى لبيان قصة حمل مريم وقصة ميلاد ابنها عيسى، موضحا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجه الحق في أمرهما، مبطلا كل الأساطير والشبهات التي قامت من حولهما.

وأول آية في الربع السادس هي بمنزلة المدخل والتمهيد إلى هذه القصة المثيرة، الباعثة على مزيد من التأمل والاعتبار.

إن هذه الأسرة الصالحة التي نفذت إرادة الله، وبلغت إلى الخلق أمره ونهيه، أعني أسرة الأنبياء والرسل، ممن أخذوا على عاتقهم هداية الخلق وتربيتهم، وتولوا نقل الأمانة التي اختار الله لحملها الإنسان، وعملوا على حفظها وصيانتها من كل ما قد يتسرب إليها، وقاموا بتجديد أمرها على مر الزمان.

وفي رأس القائمة لهذه الأسرة الروحية الكبرى التي تدين لها البشرية يرد اسم آدم، الأب الأول للبشر، واسم نوح، الرائد الأول للأنبياء والرسل، ثم يقع التنصيص بالخصوص على فرعين كريمين منها، وهما آل إبراهيم وآل عمران، فهؤلاء جميعا انتدبهم الحق سبحانه وتعالى لتنفيذ إرادته وإبلاغ شريعته، وجزاء لهم على قيامهم بالواجب وخلد ذكرهم في الصالحين، وذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

وها هنا يجب التنبيه إلى أن النظرة الإسلامية في التفضيل والتفاوت بالنسبة لإنسان على آخر، وفريق على فريق، إنما تقوم في البداية، وتؤول في النهاية، إلى عوامل أخلاقية ونفسية بحتة، ترتبط بمجرد السلوك والعمل، لا شأن له بالأنساب والأعراق لا من قريب أو بعيد، فالتفضيل الإسلامي تفضيل معنوي روحي أخلاقي لا علاقة له بالجنس ولا باللون. قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والناس سواسية كأسنان المشط وكلكم لآدم وآدم من تراب.

ـ الربع الثامن والأخير: هذا الربع من سورة آل عمران يمس عدة موضوعات حيوية، من العبادات والمعاملات، ففي آياته إشارة إلى موضوع الأمانة بالنسبة لشؤون الدنيا، وإلى موضوع الأمانة بالنسبة لشؤون الدين، وفي آياته تحديد وتوكيد لما نادى به القرآن الكريم من إعفاء البشر من كل شيء زائد على العبودية لله، ومن تحريرهم من كل أنواع العبودية الأخرى التي تعارف عليها الناس لسواه {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ}.

 

 263 total views,  1 views today

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق