مَنْ هُمْ الأدلاء عَلى الله؟

20

( مَنْ هُمْ الأدلاء عَلى الله؟

بقلم/ دكتور احمد يوسف الحلواني.
الباحث في الشريعة الاسلامية.
مَنطق الإيمان في جَوهرهِ تَسليم ، لأنك إذْ تَسْتَعلنْ بإيمانك ، إنَما تَسْتَعلنْ في الوقت ذَاته بحقيقة أنك تُسلِم وجهك وتُسلِم جَميع شُئونِك لقوة ، هذه القوة ليست أقدر مِنك فقطْ ، بَلْ أعلمْ وأخبر وأدرى وأعرف وأعمق وأغور ، وأرحم بك من نفسك، هذا مَنطق الإيمان، لذلك لابد أن تُعيد جوهرة حياتك كلها، الباطنية والظاهرية، وفق هذه الحقيقة، وأن تتكيَّف معها تماماً { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }
هذا هو الإسلام، هذا هو الإيمان، يبدأ بمعرفة ، ولكنه أيضاً لا يقف عند حدود هذه المعرفة، لكن لابد أن تعيش هذه الحقيقة ، تعرف ثم تعيش ، وتُكيف نفسك مع حقيقة معرفة الإيمان والإنقياد لله رب العالمين .
فالإيمان حُب وخشية ورجاء وثقة واعتماد واحتساب وتوكل ، إلى آخر كل هذه المعاني العميقة ، والحُب قَبس من الإيمان، فهو ثابت، ومُستمِر، وفوق تأثير الانفعالات، لاتُزلزِله هذه الانفعالات، وهذا معنى الرضا أيضاً.
وحين يصدق حُب المُحِب، يُحِب حِبه في حال رضاه وفي حال غضبه، في حال إذا ما أعطى وإذا ما مَنع، وفي حال ما أقبلْ و إذا ما أدبرْ، إن أقبلْ ، يبتهج ويُسَر، والعالم كُله طوع بَنانه ، وإن أدبرْ، يَحزنْ ويبكي مناجياً ربهُ سبحانه وتعالى ، أنه مهما فعلت ومهما أجريت ومهما ابتليت ومهما أخذت ومهما أعطيت ومهما منحت ومهما منعت، أنت ربي، لا إله إلا أنت، وأنا أرضى وأفرح بكل ما ترضاه لي.
هذا هو جوهر الإيمان جوهر يتعدى مُجرَّد التسليم بحقيقة موضوعية خارجية: بأن الله موجود ، الجوهر الحقيقي هو إرادة العبد المُؤمِن أن يخضع لهذا المعنى، أن يخضع لهذه الحقيقة ، أن يستسلم على هذا الاعتقاد وعلى مثل ذلك الخضوع والاستسلام والعشق والمحبة والإجلال والتوقير، هذا هو جوهر الإيمان، وهذه حقيقة الإيمان وهؤلاء هم (الادلاء على الله سبحانه وتعالى)،
هؤلاء هم آيات الله، هم أولياء الله (هؤلاء هم الأدلاء على الله ) المُؤمِن الحقيقي يُقيم من نفسه مظهراً لجلال الربوبية ، ورحمانية الإلهية ، وعطاء الصمدانية.
يستمد من الربوبية القوة والصبر والثبات و العلم والمعرفة والحكمة فُيعطينا سبحانه بالقدر الذي يليق بنا .
وليس مُجرَّد التسليم بحقيقة خارجية موضوعية:بأن الله موجود، الله كريم، والله عظيم، ليس هذا الإيمان، فهذه حقيقة أقر بها حتى الكفّار ، أن الله موجود، لكنه لا يُحِب الله، ولا يخشاه، ولا يرجو له وقاراً، ولا يخضع لأمره، ويعتا عن أمره، ويتنكَّب طريقه وسبيله.

يقول مولانا جلال الدين الرومي أوحى الله إلى النحل فامتلأت خلاياها عسلاً، فإذا أوحى إلينا فبماذا تمتلأ خلايانا؟! النحل حقير صغير، ملأ خلاياه عسلاً وشمعاً، ليُضيء ظلام الليالي ويُحلي مرائر الإيام، فإذا فهم العبد وحي الله إليه وقرأ بيانه وفك رموز لُغته امتلأ العالم أمناً واستقراراً، تُصبِح الخارطة واضحة والطريق لائحة والمحجة بادية، تماماً ! لا يحيد عنها إلا هالك، ويأمن فيها المُؤمِن.

فيا ربي لك الحمد عدد خلقك، ورضا نفسك، وزِنة عرشك، ومِداد كلماتك، اختر لنا، ودلنا، وافعل بنا ما أنت أهله وما هو خير لنا في ديننا ودنيانا، معاشنا ومعادنا، في عاجل أمرنا وآجله، برحمتك يا أرحم الراحمين. واغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّر، لا إله إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك. {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ }
اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اغفر لنا ولوالدينا، وللمُسلِمين والمُسلِمات، المُؤمِنين والمُؤمِنات، الأحياء منهم والأموات، بفضلك ورحمتك، إنك سميعٌ قريبٌ مُجيبُ الدعوات.

 53 total views,  1 views today

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق