عبد الحميد بن باديس #مقالات_في_النقد_الأدبــي لغة النقد الحديث د. عبدالقدوس أبو صالح المصدر: مجلة الأدب الإسلامي/ السنة الثانية/ العدد الخامس/ رجب (1415هـ)، ص112 .

29

كأنما لم يكفنا ما يكتنف كثيرًا من نماذج الشعر الحديث من غموض وإبهام، حتى بُلينا بلغة غريبة، أخذت تتردّد في بعض كتب النقد الحديث، سواء في ذلك ما ترجم من مؤلفات النقاد الغربيين ترجمة رديئة، أو في كثير من المقالات والكتب النقدية، التي يدفع بها قوم لا يعرفون ما يكتبون، بله أن يفهم الناس عنهم ما يريدون.
ولقد قرأت كثيرًا من مقالات هؤلاء المتجرّئين على التأليف في النقد الحديث، ومن كتبهم التي بدأت تتصدّر رفوف المكتبات، فكنت أنكر ما أقرأ، وأتّهم نفسي بالعجز عن الفهم، والتخلف عن مجاراة لغة النقد، وكنت أطوي نفسي على ذلك الشعور، لا أكاد أُطلع عليه أحدًا خشية أن يُنسب إليَّ ما لا أحبّ.
ثم تطاول هذا الأمر حتى بدأت أحدّث عن ذلك من أثق بفهمهم وعلمهم، فإذا بأكثرهم ينكرون ما أنكرت، ويذهبون في تفسيره مذاهب شتى، تبدأ من الاتهام بضعف الترجمة لتنتهي بالاتهام بضعف الفهم وتغطية العجز بالإبهام والفوضى، واصطناع لغة هي إلى العُجمة أقربُ منها إلى العربية الفصحى.
ولقد هممت أن أجمع نماذج من تلك اللغة النقدية الطارئة، ولكن نفسي عافت ذلك، واستكثرته، وانصرفت عنه، ثم وقعتُ منذ حين على كتاب للدكتور محمد مصطفى هدارة عنوانه ((مقالات في النقد الأدبي)) تعرّض فيه إلى نقد كتاب ((الصورة الأدبية)) للدكتور مصطفى ناصف، ورأيت في ذلك النقد غناء عما كانت النفس تتردّد فيه ثم تعافه.
وقد ابتدأ الدكتور هدارة نقده بقوله: ((قيل لأبي تمام: لمَ تقول ما لا يُفهم؟)) فرد على سائله قائلاً: ((لمَ لا تفهم ما يقال؟)) تذكرت السؤال والجواب وأنا أخوض في مغاليق كتاب الدكتور مصطفى ناصف، فما أكاد أنتهي من صفحة حتى أعاود قراءتها من جديد، وحين تستغلق عليّ مرة أخرى أعود للصفحة التي قبلها عسى أن أفسّر الماء بالماء ولكن هيهات… ثم تستبدّ بي الحيْرة ويكتنفني الغموض، وأُرهَق من أمري عسرًا… وأصيح بالمؤلف قائلاً: ((ما هذا الأسلوب بعربيّ، إنه مكتوب بلغة لا أفهمها، قد تكون البربريّة أو السنغاليّة أو أية لغة لا أعرف منها حرفًا)).
ثم يسرد الدكتور أمثلة كثيرة تؤكد ما قدمناه حيث ينقل قول المؤلف في موضع من كتابه: ((إن مذهب امتزاج الذات والموضوع ينبغي أن يُتناول بحذر من أجل أن نكوّن تمييزات معينة، وفي خلال تكوينها نأذن بالتغاضي عنها لبعض الأغراض)). ويقول في موضع آخر: ((فالتجربة الأساسية متميزة من التأثيرات التي تحاك في أعصابنا وأنفسنا، وإنما هي بصيرة تتم بفضل الخيال، ومن المهم أن نتذكر أن هذه الحركة الخيالية لا يمكن أن تختصر في تأثيرات متعلقة بالجهاز العصبي)). ويقول في موضع ثالث: ((فيتيسر قياسها على ضبط عنيف يخلو من التقدير والتوجّس من التسرّب المستمر للتجربة في اتجاهات وزوايا لا تنضبط)). ثم يحاول المؤلف أن يوشّي كلامه بصور ومجازات نافرة فمن ذلك قوله: ((في الإدراك الاستعاري إيثار كريم يعلو على ساق من الأثرة)) وقوله: ((الاستعارة فسحت المجال للحنوّ البالغ على التشبيه)) ثم يتحدث عن ((علاقات الدفء بين الناس)) و((معانقة الحَيْرة)).
ولعلّ أجدر ما نقوله لهؤلاء النقاد الذين يكتبون ما لا يفهمه الناس هو ما قاله الدكتور هدارة بصراحة بالغة: ((والحقيقة أنه يجمُل بالمؤلف إن أراد لكتابه أن يُقرأ ويُفهم – أن يدفع به إلى مترجم أمين يعرف اللغة العربية التي يكتب بها الناس ويقرؤون، فينقل إليهم ما كان يريد أن يقوله المؤلف أو ما كان في نيّته أن يكتبه)).
.
.
.
.
.
.
ربيعي محمد

 63 total views,  1 views today

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق