عبده داود دوار القمر الحلقة 3

7

الذي يشاهد قرية دوار القمر في الليل تلك الأيام، يستغرب كم يطيل أهالي هذه القرية السهر، أغلب البيوت تشع منها الأنوار، سواء كهرباء أو مصابيح الزيت أو شموع أو غير ذلك حتى ساعة متأخرة من الليل. عادة أهالي هذه القرية لا يطيلون السهر وينامون باكراً، وخاصة إذا كان هناك تقنين في الطاقة الكهربائية…
أما في شهري نيسان وأيار فالأمور مختلفة في قرية دوار القمر، بل في سورية كلها، لأن فحص الثانوية قد اقترب والطلاب يدرسون، ويدرسون، لا بغية النجاح فحسب، بل لتحصيل علامات عالية تخولهم دخول الكليات العلمية المناسبة والمجانية…
فيروز لم تكن ترغب في النوم حتى لو كان الليل خمسين ساعة كانت تسأل المزيد من الوقت حتى تبتلع الكتب وتهضمها وتحفظها بما في ذلك مواضع النقاط والفواصل…
عادل، عادة لا يتأخر بالسهر كثيراً، هو يفضل أن يخرج باكرا مع شروق الشمس إلى البساتين ويحفظ المراد حفظه، ويعود حوالي الساعة التاسعة صباحاً، يتناول وجبة الفطور وينام قليلاً وينهض ليتابع دروسه في المواد الأساسية…
فيروز كانت تتراءى له بين السطور في كتاب الفيزياء لأنها هي التي كانت تشرح له ما فاته من أستاذ تلك المادة في مدرسته، لذلك كانت الفرحة تملأ قلبه.
بمناسبة الكلام عن دروس الفيزياء في ثانوية الذكور، سأخبركم قصة ذلك الأستاذ الفاسد..
شكاوي عديدة قدمها الأهالي إلى مديرية التربية يشتكون فيها: بأن مدرس الفيزياء في مدرسة الذكور لا يقوم بواجبه في تعليم المادة كما يجب، بغية أن يحضر الطلبة إلى منزله للحصول على دروس خصوصية…
تحققت مديرية التربية سراً من أمر الشكاوي، وعندما تأكدت المديرية من صحة اعتراضات أهل الطلبة. أقامت المديرية دعوى سوء أمانة على الأستاذ المذكور، انتهت بسجنه وفصله من ملاك التربية وعدم السماح بتوظيفه في أي مدرسة تابعة لوزارة التربية والتعليم…
بدأت الامتحانات كالعادة في شهر حزيران، وصارت البلد تغلى… الطلبة في الطريق وأهاليهم معهم يدعون لهم من أجل الرب ينير عقول أولادهم في الفحص الصعب.
بعض الأهالي كانوا ينتظرون أولادهم على باب المدارس حيث تجري الامتحانات، حتى يخرج أولادهم ويطمئنون عليهم…
أغلب الطلبة عندما يخرجون من قاعات الامتحانات يتصورون بأنهم كتبوا جيداً، لكن عندما يتناقش الطلاب فيما بينهم حول أجوبة الفحص تصفر بعض الوجوه ويزداد بعضها إشراقاً…
عندما ظهرت نتائج البكلوريا، كانت علامات فيروز عالية تخولها دخول جميع كليات الجامعات الحكومية السورية المجانية. بينما علامات عادل كانت متواضعة قليلاً…
بكل الأحوال لا يزال هناك ما يسمى بنتائج المفاضلة وبعدها على الطلاب أن يختاروا عشر كليات يبدؤوها بتسمية الكلية التي يرغبونها أولاً، شريطة أن تسمح لهم علاماتهم بالتقدم اليها.
ظهرت نتائج المفاضلة، فيروز كان يمكنها تسجيل رغبتها الأولى في كلية الطب التي تطلب أعلى العلامات، لكنها اختارت دراسة القانون كرغبة أولى، دراسة كانت تحبها وتهواها…وهي مناصرة إلى القانون والعدل ونصرة الحق…
أما عادل تم قبوله في دراسة الهندسة الزراعية، التي هو أختارها كخيار أول لأن رغبته الأولى العمل الزراعي بأرضهم الزراعية في ضيعتهم دوار القمر…
وخاصة بعد أن أصبحت الزراعة تعطي إيرادات جيدة في الألفية الثالثة نتيجة اتساع هامش التصدير لدول الخليج وغيرها…
أهل فيروز جن جنونهم، أبنتهم تحصل على علامات تخولها دراسة الطب، بينما هي ترفض الطب لتدرس القانون، وهل هذه تعتبر دراسة أصلا؟ هذه مهنة للرجال الكسالى فقط، وليست للنساء. وهذه حماقة ما بعدها حماقة…
ساءت الأمور كثيرا في بيت أبو يوسف. وهددوا أبنتهم بأنهم لن يساعدوها ماديا لتسكن في دمشق إذا رفضت كلية الطب، والذي كان قاسياً جداً مع فيروز هو أخوها يوسف الذي أصر بأن تدخل أخته كلية الطب أو تتم القطيعة المؤبدة بينه وبينها.
وتدبرت الأمور، وأدخلوا فيروز كلية الطب عنوة، ودخل عادل كلية الزراعة…
سكنت فيروز المدينة الجامعية، وسكن عادل في غرفة في حارات باب توما الضيقة جداُ التي يتبادل سكانها الأحاديث عبر النوافذ القريبة جدا، كما هم يناولون بعضهم البعض فناجين القهوة…
عادل كان يحب الزراعة والعمل الزراعي، وأهله يملكون الأرض والماء متوفر في ضيعتهم، والآن رغبته الدراسية هي سبب سعادته، كان يتشكر الله الذي هيأ له هذه الدراسة حتى يعيش حياته في أجواء يعشقها، ولا تضيع حياته في اعمال وظيفية لا تعني له سوى تمضية الأيام، حتى ينتهى الشهر ويقبض راتباً شهرياً تافهاً، قد لا يكفيه مصروفه الشخصي…
غير ذلك العمل الوظيفي يسرق منه أجمل أيام العمر وهو قابع خلف طاولة خشبية ينظر إلى ساعته منتظراً انتهاء الدوام.
وتمضي الشهور، وتمضي السنوات، ويمضي العمر تعيساً بدون رجعة…
بينما الآن هو يحلم بالعمل الذي يفرح قلبه، وسيمضي ساعات النهار وساعات الليل وهو سعيد بما يفعل، محاولاَ أن يحسن ويقدم الأفضل في العمل الزراعي.
فيروز سكنت في المدينة الجامعية…
وعادت الأفراح إلى بيت أبو يوسف أبنتهم تدرس الطب، ودار الحديث في عصريات الرجال وعصريات النساء، عن نجاح أبو يوسف، وأم يوسف بتقويم اعوجاج أبنتهم، ويعلقون بمداخلات الأولاد بحاجة إلى القسوة أحياناً…
كان جميع أهل الضيعة مستنكرين اختيار فيروز الدراسي وكيف تفضل دراسة الحقوق على دراسة الطب…
دراسة عادل في كلية الزراعة كانت متعة حياته، كل كلمة في الكتب كان يلتهمها التهاماً، حتى يطبقها بمزرعة أهله ومزرعته في المستقبل…
تعاسة فيروز كانت تقودها للانهيار…

كتب الحلقة: عبده داود
إلى اللقاء في الحلقة 4

 15 total views,  1 views today

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق