عبده داود الأستاذ والطالبة عنوان الحلقة 16 “الفتنة”

36

لم يطل غياب الضابط موريس كثيرا تلك الليلة، في العادة هو يغيب يوما أو يومين، لا أحد يدري أين يختفي في تلك المدن الساحلية، ولكن الجميع يعرفون بأن موريس له علاقات خاطئة مع العديد من النساء الساحليات…
كان بمجرد أن تصل الباخرة الى الميناء، حتى يهرع موريس إلى المقاهي الليلية بلباسه الأبيض الجميل، والنجوم الذهبية، وميداليات تزين بزته البحرية، غير هذا هو شاب وسيم، ويبذخ الأموال على طاولات المقاهي، لذلك تتبرم حوله صبايا الليل، ويبات ليلته عند احداهن…
تلك الليلة في برشلونة، كان على موعد مع فليسيا، تلك الفتاة الجميلة التي تحبه ويحبها، عندما دخل الى المقهى، نهضت مسرعة لتستقبله، لكن بعض صيادي السمك الذين كانوا يحتسون الخمرة، لم يرقهم الأمر، شاب غريب بحار يسحب من المقهى فليسيا معشوقة جميع رواد المقهى أمام مرأى الجميع.
أحد أولئك الصيادين السكارى عارض موريس، ثم تطور الكلام الى توتر، ثم اشتدت حدته، بعدها تحولت الى عراك، اسقط موريس الصياد ارضاً بلكمة قوية، حينها هجم أربعة صيادين عليه، وأخذوا يلكمونه بعنف لكمات على وجهه وعلى بطنه وكل جسده حتى سقط على الأرض، ثم أخذوا يركلونه بأقدامهم، ولم يتوقفوا لولا وصول الشرطة، التي أخذت الصيادين الى السجن، وعاد موريس الى السفينة بين الحي والميت…
الكابتن أمر بسجن موريس عشرة أيام في سجن السفينة الصحي، لكنه أوقف التنفيذ، لأن مساعد الكابتن ترجى الكابتن أن يقضي موريس مدة سجنه في غرفته، إقامة جبرية حتى يقوم بتدريس سميرة ويعوض عليها الدروس التي اضاعتها من أجل ابنه طوني عندما كانت أم طوني غائبة في بيروت…
المسكنات القوية كانت تخفف من اوجاع موريس، لكن الآلام شديدة، حتى الكلام كان صعباً عليه، كانت سميرة مسئولة عنه كونه استاذها، ومديرها المباشر، حتى إنها كانت تجلس على سريره حتى تطعمه الشوربا، لأنه لم يكن قادراً حتى على رفع الملعقة الى فمه… كما كانت تساعده على النزول من السرير ثم الصعود عليه…
كانت حالة موريس صعبة بالفعل رغم إنها تتحسن ببطيء… بعد بضعة أيام استطاع أن ينهض من السرير بمفرده ويجلس الى طاولة الطعام، وبات قادراً على تحريك جسمه بشكل شبه طبيعي، أما الجراح على وجهه كانت محزنة…ولم يكن يسمح لأحد أن يمسح الدماء المتجمدة من على وجهه لأنه كان يتألم جداً من أي لمسة مهما كانت لطيفة ناعمة…
كان الألم يتراجع، لكن أنين الوجع لم ينتهي بعد رغم المسكنات القوية…
كان طبيب السفينة مع الممرضات يزوروا موريس ويطمئنوا عليه، وكان الدكتور يمازحه، ويقول له: كل هذا من أجل فليسيا يا موريس، فليسيا؟ تركض وراء بنات الهوى، وتترك الملاك سميرة وحيدة، لكن في الحقيقة أنت لا تستحق جوهرة مثل سميرة… يا موريس سميرة هي التي تستحق أن تكون حبيبتك… ليست فليسيا…
سميرة كانت تضحك على المزاح لكنها لم تكن تهتم به وكأن الكلام لا يعنيها لا من قريب ولا من بعيد.
موريس كان يدرك هذه الحقائق عن سميرة، وخاصة في الأيام الماضية وجد الحنان، وأحس بقلبها الطاهر…
وأحس بالمحبة الصادرة عن قلب حنون، وأدرك كم سميرة صلبة ورقيقة، كانت تسهر الليل والنهار على راحته
غير هذا وذاك، هي جميلة جداً علماً بأنها لم تكن تستخدم مساحيق التجميل، ولا تستخدم عطوراً البتة، غير عطور صابون الاستحمام، الذي رائحته تشبه رائحة الياسمين التي تذكرها بدمشق، وتذكرها بسمير، وأهلها، واختها وكل ما هو جميل بحياتها…
موريس بدأ يعلم سميرة تتمة منهاج السنة الأولى بعد جوني الذي كان استاذها قبل الترقية الى مساعد الكابتن. أدرك موريس كم سميرة ذكية وكم هي مهتمة باستيعاب كل كلمة في المنهاج…مما كان يزيد من اعجابه بهذه الصبية السورية…
كان يرن موبايل سميرة كثيرا من سمير، ومن خلال تلك المكالمات بين العاشقين أدرك جميس بأن هناك حباً لا يمكنه اختراقه، وفهم بان الحبيبين شخصان مؤمنان مهتمان بالصلاة والصوم، لكنه عرف أيضا نقطة الخلاف بينها وبين خطيبها، هي مشكلة الخلفة.
وجد سمير الثغرة التي يستطيع الولوج فيها ليصل الى قلب هذه الصبية الرائعة، التي هي تحقق له أحلامه، دون سواها، هي موظفة على ذات الباخرة التي هو يعمل فيها، وربما يتزوجها أو على الأقل يقيم علاقات عاطفية معها، مثلها مثل باقي العشيقات…
لكن سميرة لم تكن تعطي أفعاله أهمية لا من قريب ولا من بعيد، هي تعيش حباً لا يفهمه من كان مثل موريس يخدع ذاته، ويخدع من حوله…
الأموال الكثيرة التي كانت تصله من ابوه الثري افسدته، صار يلعب الميسر مع ركاب السفينة، ومعاشرة الرخيصات اللواتي سرقن لبه وأفقدنه عقله…وصار يعيش حالة من حالات الانحطاط المحزنة…
الآن، عندما قارن بين سميرة وبين الأخريات، أحس كم هو وضيع ولاأخلاقي…أدرك الفروقات الكبيرة بين الانحطاط والالتزام بشرائع الله…
وحينها وضع سميرة في ذهنه، وبما انه مريض بجنون العظمة، يعتقد بأن جميع الصبايا يقعن في حبه عندما هو يريد…
لكن لماذا هذه الصبية لم تعره اهتماماً؟ وحتى لم تكن تشعر بوجوده، كان هو استاذها وهمها كان متركزا على دراستها…
سمير لم يتعود أن ينهزم أمام الجنس الآخر، ولا بد أن يهزم هذه الصبية السورية أيضاً، فقط لمجرد شعوره المغرور السلطوي بأنه لا توجد امرأة قادرة على مقاومة سحره…
كاتب النص: عبده داود
الى اللقاء في الحلقة القادمة 17

 82 total views,  1 views today

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق