عبده داود الأستاذ والطالبة الحلقة 18 عنوان الحلقة: رحلات ساحرة

55

ذلك الصباح، تغير برنامج محاضرات الأستاذ سمير في الجامعة، وصدف ذلك اليوم لم يكن عنده سوى محاضرة صباحية واحدة، لذلك عاد باكرا إلى المنزل…
بمجرد دخل الدار، فوجئ بضباب كثيف، ورائحة بخور تملأ البيت، واستغرب ووقف مذهولاً عندما سمع نقراً على الطبلة، وأصوات غناء غير مفهومة في غرفة الاستقبال الواسعة، نظر من شق الباب شبه المغلق …
أمه كانت جالسة في صدر البيت مشدوهة، وثلاث نسوة يلبسن ثياباً بيضاء، الأولى تحمل مبخرة تهزها وتسير في المقدمة وتسير خلفها امرأتان تحمل كل واحدة منهن دفاً تطبل عليه وجميعهن ينشدن كلاماً غريبا، ويبرمن دائرياً حول طاولة في منتصف الغرفة وضعوا عليها صورة سمير هو وسميرة، وشموع مشتعلة حول الصورة…
وكان واضحاً بأن الأمر شعوذة واحتيال على المسكينة أم سمير.
عندما انتهين، قالت حاملة المبخرة: انتهينا، سميرة احرقتها الشموع وصارت دخاناً، ولم يعد لها وجود في هذا البيت، الآن تستطيعين أن تزوجي أبنك لمن تريدينها، سميرة أنتهى وجودها في قلب ابنك… سميرة رحلت بدون رجعة…
قالت أم سمير : هل هذا أكيد تماما؟ وضحكت بفرح.
قالت الدجالة : نحن إذا قلنا فعلنا، قلنا سميرة ماتت في فكر ابنك سمير، هذا يعني ماتت في فكره وقلبه…
قبضن المحتالات مبلغاً غير قليل من المال…ودفعت المسكينة أم سمير بكل طيب خاطر… ظناً منها بأنها تخلص ابنها من سحر سميرة…
سرق سمير ذاته وخرج من البيت، قبل أن تلاحظ امه أو النسوة وجوده…
ذلك المساء، رن موبايل سمير، كانت سميرة على الجانب الآخر.
انهى سمير المكالمة وهو بغاية الفرح، فسألته امه بخبث، كيف هي سميرة؟
سمير كان ينتظر هذا السؤال: اليوم سميرة في البرتغال. وهي الآن تزور كنيسة فاطمة. الاسبوع القادم سوف تذهب الى باريس، وأنا سألحق بها الى هناك بعدما تنتهي الفحوص الجامعية هنا…سميرة ستمكث في باريس شهرين…سأبقى معها أنا حتى تنهي فحوصها، وتعود سفينتها من أمريكا…
تخيلوا أصدقائي كيف تغيرت ألوان وجه أم …
سمير كان ينظر خفية الى وجه أمه وكيف تتغير ملامحها…وهو يخفي ضحكته، وقال لأمه سوف آخذك تزورين كنيسة فاطمة عندما تشائين…
سميرة في كنيسة فاطمة، كانت مأخوذة كلية، بمشاهدة عظمة الكنيسة، ورونقها المعماري الحديث، والتي تقع شمال شرق لشبونة على بعد 130 كم منها، ومأخوذة بقصة التجليات التي كانت تحدث كل أيام الثالث عشر من كل الشهر في عام 1917على الأطفال الثلاثة لوسي وأبني عمها فرنسيسكو واخته اللذان ماتا بسبب الانفلونزا التي ظهرت في عام 1919وربما تلك الأنفلونزا مثل كورونا هذه الأيام…
في تلك السنة 1917 كان يجتمع الأهالي من مدن البرتغال ومن اسبانيا القريبة حتى يروا تجلي العذراء هناك.
المسيحيون يؤمنون بان ذاك النور الظاهر هو العذراء مريم دون ريب، تأتي حتى تدعو الناس الى التوبة والصلاة، وكانوا يركعون ويتوسلون بصمت أن تتشفع لهم، وتخفف عنهم أوجاعهم وتنهي ضيقاتهم…
تسمية الكنيسة باسم فاطمة يعود الى اسم القرية التي كان يتم فيها التجلي…
وفاطمة هي اميرة عربية، أسرها الإسبان عام 1492 بعد حرب خاضوها بقيادة الفونسو الأول على المسلمين في حرب ضروس، لاسترجاع بلادهم من العرب بعد ثمانمائة عام من الاحتلال الإسلامي… سقطت غرناطة وتم أسر الأميرة العربية فاطمة وهي واحدة من جملة السبايا والغنائم الكثيرة التي خلفها العرب…ونظرا لجمالها قدموها الى والي منطقة اوريم…
فاطمة كانت غاية في الجمال وغاية في الرقي والحكمة، اعجب بها والي أوريم وهي اعجبت به وعاشا قصة حب جميلة، ثم عمدها وجعلها مسيحية وتزوجها، وأشاد لها هناك قصرا محايداً عرف باسم قصر فاطمة ثم توسعت المنطقة وصار فيها منازل عديدة وساد اسم فاطمة على البلدة ولا تزال التسمية معروفة ببلدة فاطمة الى الآن…
في أوائل القرن الماضي بعدما حدثت تجليات العذراء وظهرت على لوسيا وابن عمها فرنسيسكو واخته في حقول بلدة فاطمة سابقة الذكر.
صارت المنطقة مزارا يحج اليه الناس، اسمه مزار فاطمة لذلك اشادت البرتغال واسبانيا وإيطاليا مشتركين كنيسة كبيرة وجميلة جداً في مكان المزار عام 1928 في مكان التجليات التي عاينها ألوف الناس، وأسموها كنيسة فاطمة. نسبة إلى اسم البلدة.
لوسيا بعدما عاينت تجليات العذراء مريم انتسبت لدير راهبات وأصبحت راهبة مبشرة للرؤية ولرسائل العذراء التي تدعوا بجملتها الى التوبة والصلاة… حتى توفيت في عام 2005 عن عمر يناهز 97 عاما،
والأخت لوسيا كانت الوثيقة الحية لتلك الأحداث التي شاهدها ملايين الناس…وربما بعضهم لا يزال حياً الى يومنا هذا…
تأثرت سميرة كثيراً من جو الايمان الحقيقي الذي يعيشه عديدون كانوا يزورون الكنيسة، وكانت دموعها لا تكف عن البكاء…وخاصة شعورها بأنها تعذب سمير، وهي تتمنى بأن يعتقها…وهي غير قادرة أن تعتقه…
عادت جانيت وسميرة الى لشبونة حتى يتحضران للسفر الى باريس…
بعدما عرف الكابتن جوني كم تأثرت سميرة بالجو الروحي في كنيسة فاطمة، اقترح عليهم أن يذهبوا براً عبر اسبانيا الى فرنسا، سيفرح طوني بالرحلة معهما وخاصة وهم يصعدون جبال البرينيه بين اسبانيا وفرنسا، ويتمتعون بأجمل مناظر العالم الطبيعية، ثم يزورون كنيسة لورد في فرنسا أسفل جبال البيرنيه، المكان الأكثر شهرة في العالم المسيحي… رحلة صعبة، لكنها من العمر لا تنسى ابداً…وفعلاَ بدأت الرحلة.
كتب النص: عبده داود
الى اللقاء في الحلقة 19

 117 total views,  4 views today

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق