طيف الماضي مؤسسة قادح زناد الحروف ( النثر ) الآثار السلبية للحروب على الاطفال …..

34

الحرب التي تستخدم كل الوسائل المتاحة لها لتنفيذ اغراضها هي حرب تأتي على كل كل شيء في حياة البشر الذين تطالهم كباراً أو صغار …ولكن الحرب التي تدور رحاها على مايسمى بدول العالم الثالث والتي ينقصها الكثير لتتفادى القليل من ويلات هذه الحروب …خاصة على صعيد الأمومة والطفولة .
لست بالشخص المتخصص بمجال علم النفس ولكن كباحث اجتماعي بهذا الخصوص ….فالعلوم الإنسانية لا تنفصل و مسارات بحثها تتشابه و تتشابك فكل مخرج نفسي سببه مدخل اجتماعي ….بمختلف المستويات ومن باب التجربة الشخصية التي استمرت قرابة عام ونصف لدراسة سلوكيات الاطفال في مرحلة الحرب اجد براحاُ يتسع لكثير من الآراء والمقترحات القابلة للنقاش و لملمة بعض القضايا في اتجاه علاجي مشترك بين المختص بعلم الإجتماع و علم النفس ….
يعاني الاطفال على حد سواء …بمعنى الأصحاء جسدياً وعقلياً أو ذوي الإحتياج الخاص …الكثير من الخلل النفسي الناتج عن تراكمات اجتماعية خلفتها معمعة الحرب ….وبعيداً عن الآثار العامة والتي تشترك بها كل الشعوب العربية التي تعاني جحيم الحرب من نزوح و تهجير و لجوء و تشرد وإحاطة تامة للمعاناة اليومية بين الجوع والفقر والمرض ….الذي يطال المدن الرازخة تحت وطء الإشتباكات واصوات القنابل ….يعاني الطفل العربي عموماً من عدم إتزان سلوكي إن صح التعبير واختلاط انفعالات و ردات فعل متراكمة ….فهو يحاول إتيان العديد من السلوكيات بآن واحد …بمعنى أنه يمارس طفولة اجبارية و رجولة اختيارية ….مجبر على ان يكون بدائرة الطفولة في ملعب الأسرة في حين الواقع و الإعلام يجعلانه مطالب بتقمص دور الرجل إزاء كل الأحداث التي تمر به ….فهو مطالب بالصبر والتكيف مع كل طارىء يحدث ….نزوح من بيته أو فقدان عزيز امام ناظريه او رؤية الاسلحة والآلات المدججة واعتبارها عرض اعتيادي لا غرابة فيه وايضاً هو مطالب بالتعود على موسيقى القنابل والصواريخ و إلتزام آوامر النوم واللعب والدراسة وهذه بحد ذاتها كارثة في عقل الطفل ….حيث يتعلم فلسفة الأماكن الآمنة في سكنه ليتفادى رصاص الحرب و يتحدث بطريقة مختلفة عن الحياة ….لم تعد تهمه الألعاب الطفولية بقدر ما يهمه مخاكاة الواقع بكل تفاصيله …فيقتني لباس شبيه بالأزياء العسكرية و يشتري سلاحاً مماثل وحتى الآنكى من هذا و ذاك يحفظ و بقوة اسماء و زعماء قادة الحرب و التنظيمات والأحزاب السياسية المختلفة و يصبح المجتمع الكبير المنهك يتجسد في اوقاتهم اثناء اللعب و الذي لا ننسى السمة المضافة إليه من عنف ربما يصل لدرجة القتل والعمد ايضاً … ذلك لأنهم تشكلت لديهم ثقافة مختلفة مفادها إن لم تكن معي فأنت ضدي والضد له جزاء الموت ….على الاقل هذه الحالات وجدت بمجتمعنا الليبي وإن لم تعد ظاهرة بعد لكنها ستكون إن استمر الحال بهكذا دموية …
اليوم في عالمنا العربي اصبح يتزايد لدينا بلا هوادة عدد الايتام والمشردين وهؤلاء هدف سهل المنال لكل النفوس الليئمة …من تجارة غير مشروعة إلى عمالة ايضاً غير مشروعة ….وبات تواجد الصغار على الطرقات والأزقة وفي اماكن مشبوهة أمر اعتيادي وربما نعاني معه سلبية التصرفات على الصعيد الاسري المتحجج بالفقر وعلى الصعيد المجتمعي المتحجج بفوضى الحرب .
المشاكل الإجتماعية تنعكس على النفس البشرية خاصة نفس الطفل التى تكون هشة بحجم براءته ….حيث نجد العديد من السلوك اللا سوي والذي ربما نحتاج حتى لإعادة تسميته وفق تطوره و حدته ….
في مجتمعنا الليبي تزايد بعد الحرب وبشكل ملفت حالات التوحد و بمراحل عمرية مختلفة حتى أنه صار في امكاننا القول أن مراحل هذا المرض و سنه وعلاماته اختلفت ….اضافة إلى ظاهرة التآخر الكلامي و احياناً التأتأة الفجائية ….ناهيك عن حالات التبول اللا إرادي و التشنج العصبي و الإنطواء الإجتماعي الذي نتاجه خوف او فوبيا ناجمة عن اصوات القنابل ومناظر الدماء أو ربما الفقد الفجائي للمعيل كالوالدين وحالة الضياع النفسي التي يعيشها الطفل متنقلاً بحثاً عن استقرار …
ومن السمات السائدة في مجتمعنا الطفولي حالات النسيان و التبلد مع شرود نفسي لا نهاية له ..و خوف و تردد و تبعية فكرية تحاكي متطلبات الحرب حتى انها وصلت لعمق النسيج الديني وبالتالي رأينا تجنيد الصغار و مشاركتهم بالحرب و غسل ادمغتهم بأمور فوق احتمالهم ….حالة من التيه و التفكير في اللامستقبل و محاولة استيعاب تصرفات الكبار التي تؤثر سلباً وايضا الناتجة عن خلل نفسي بسبب ظغوطات الحرب و المساومة على لقمة العيش ….وهذا الشرود بدوه انتج ظاهرة أخرى في المدارس حيث بات الطفل يفضل عدم المعرفة و يبتعد عن التحصيل العلمي في محاولة منه لإفهام الآخرين بعدم جدوى التعليم في ظل القتل والدمار …..
إن النفس البشرية سواء كانت لطفل او كبير حين تشوه مكنوناتها بمناظر الحرب التي تفوق مقدرتها الإستيعابية تصبح عاجزة عن التآقلم ومساندة ذاتها حتى ولا غرابة أن يرفض الصغار التعامل مع طفولتهم ويميلوا للعنف الأسري والمجتمعي لأن عقولهم غذيت به و تشربت مسامعهم عبارات الخراب ….وباتوا كل صباح لا يرون الإ مشاهد البؤس وهذه بدورها اكبر مصيبة تقتل الطموح والرغبة و تترك الطفل فقط دمية في يد الظروف و المستجدات …..المشاكل الإجتماعية الناتجة عن تمزق التسيج الإجتماعي من اهم مخلفات الحرب والتي تزدحم سلبية و نقص….و تتلاعب بمستقبل الصغار كيف تريد …فلا فرق بين معاناة طفل عراقي او سوري او يمني أو ليبي أو اي طفل يعيش تحت وقع الحرب في كل مكان ولكن ماذا نستطيع أن نفعل لهم ليتجاوزوا خط المرض النفسي ويصبحوا قادرين على التعايش في مجتمعاتهم وايضا ببعض ايجابية تضمن لهم استمرار محبتهم للتعلم و رؤية بيضاء لمستقبلهم …..
اولا وقبل أن تتشعب المسببات …علينا أن نمسك طرف المعالجات ….نتفق على خطوة هي بداية لتراكب خطوات تليها و تكون اساساً لكسر حاجز الصمت عن إيذاء الطفولة ……ربما تكون البرامج التطويرية التي تقدمها بعض المنظمات ذات الإهتمام المشترك بالطفولة والتي عادة ما تسهم بها اليونيسف أو اليونسكو ….ومنظمة الصحة العالمية على سبيل المثال لا اكثر نستطيع من خلالها خلق فرص تعاون مشترك بين الدول العربية التى طالتها الحرب و إنشاء مخيمات محلية و دولية تهتم بهذا الشأن ….والأهم أن نتذكر تطوير الكادر المعالج ومنحه فرصة التعامل مع الواقع بشكل مباشر لا من خلال صفحات الانترنت ….بمعنى النقاش والحوار بأي وسيلة متاحة من قبل المختصين و محاولة تقديم المقترحات ذات الجدوى والتي تجعل النتيجة مرضية بحق الطفل و الأهم من هذا وذاك العمل المتصل والمتواصل الذي يعتبر سلسلة متكاملة دون تقطع حتى يمكنه خلق افكار و طرق تأخذ بيد الطفولة لبر الأمان.
نحن نعيش مع اطفالنا صدمة مستقبل ربما تحتاج منا سنوات بجهود مكثفة لننقذهم و نخلق لهم عالم قريب من عالمهم الطفولي في محاولة لتناسي تبعات الحرب وإن كانت لاتنسى ….ولكن شغل اوقاتهم وعقولهم بأشياء مفيدة يحدث الفرق ….
نحن الكبار نعاني ازمة تخبط بين رغباتنا و المحافظة عليهم ولكن العقل والحكمة تقول ….كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته …..و الأطفال امانة في اعناق ذويهم و مجتمعهم ….فلا تتركوهم لعبة بيد الحروب والشوارع خير دليل ……
نحن العرب نستطيع طرح القضية و تفصيلها و اقتراح حلول لها ماينقصنا استمرار بالبحث و النقاش و امتلاك ادوات تنفيذ العلاج ….حينها نخفف من آثار الحرب السلبية و نغير بعض الشيء من ملامح العبوس و الخوف التي تعلو ملامح الصغار ….بأخرى تبعث الأمل فيهم
# وفقكم الله وسدد خطوكم
# طيف عبدالله منصور

 73 total views,  1 views today

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق