صاحب ساجت قصةٌ قصيرةٌ “لَحظَةُ مُداعَبَةٍ”

10

أَمْعَنَ النَّظرَ، في قَدَمَيهِ طويلًا، وَ لِأوَّلِ مَرَّةٍ لَحَظَ أَصابِعَهُ وَرديَّةَ اللّونِ، مُصْفرَّةً! فَرْقَعَها، اِلْتَذَّ بِالرّاحَةِ بَعدَ تَعبِ السَّفرِ.
أمامهُ.. ثُبِّتَتْ مِرْآةٌ في صُنْدُوقٍ خَشَبيٍّ، مجاورٍ للسَّريرِ، بَانَ فيها بَعضُ مَوجُوداتِ الأَثاثِ بِألوانِها القَديمَةِ.
في نقطَةٍ داخلَ المِرآةِ، ظَهرَ رأسُهُ الحَليقُ مُلتَصِقًا بِجسدِهِ المُتناثِرِ الأَطرافِ! وَ مِنْ بابِ غُرفَةٍ يُشْغِلُ جزءًا عَمودِيًّا مِنَ المّرآةِ، رَأَىٰ زَوجَهُ تَتَحرَّكُ جِيئَةً وَ ذَهابًا، داخِلَ البَّيتِ.
صارَ يَرْقُبُ الصَّندُوقَ المُتهالِكَ، الماثِلَ أمامَهُ مُنْتظرًا.. لَحظَةً بِلَحظَةٍ، إعلانَ نَبَأِ تَحطُّمِهِ؛ حينها- يَحْصُلُ على مسوِّغِ إبْدالِهِ!
لٰكن لا.. إنَّها أصَرَّتْ علىٖ بَقائِهِ جاثِمًا في هٰذا الحَيِّزِ مِنَ الغُرفَةِ. لَقَدْ أعادَتْ- مِرارًا- صيانَتَهُ، وَ بَدَّلَتْ ألوانهُ، وَ تَعْتَقِدُ؛ أنَّهُ مَادَّةُ الوُجُودِ المَعنَويِّ لِماضِيها!
وَ بِمرُورِ الأَيَّامِ.. دَرَجَتْ أنْ تُكدِّسَ عَليهِ مَفرُوشاتِها وَ أَغْطِيَتَها، وَ في داخِله أوْدَعَتْ حُلِيَّها وَ أشياءَها الخَاصَّةَ. أَمّا المَلابِسُ.. فَعُلِّقَتْ إلىٰ جوارِهِ مَعَ بِزّةٍ عَسكريَّةٍ إحْتَفظَتْ بِهيبَتِها وَ رَهبَتِها!
حَوّلَ عَيْنيهِ- يائِسًا- إلىٰ الشّباكِ المُشرفِ علىٰ شارِعٍ فَرعِيٍّ. فاجَأَتْهُ أوْراقُ جَرائِدَ مُلصقةٌ علىٰ الزّجاجِ، اِنْطَلَقَ مِنْ فَمِهِ صَوتٌ عالٍ:-
– فَوزيَّة.. أَيْنَ السِّتارَةُ؟!
دَخَلَتْ عَليهِ بِخِفَّةٍ وَ تَوَدُّدٍ، مُبتَسِمَةً، تُلوُّحُ بالسّتارةِ. هَدَأَ بَعدَ فَزَعٍ أَثارَهُ وَ أَغْضَبَهُ، فَلَطالَما حَرِصَا إسْدالَ السّتارَةِ حَتىٰ في لَيالِي الصَّيفِ، لِحَجْبِ الضَّوءِ أو لِمَنْعِ تَلصّصِ عيُونِ المّارِينَ.
إحْدَىٰ الجَّرائِدِ.. حَمَلَتْ عنْوانًا غَرِيبًا (طفلٌ يُبصِرُ بِأُذنيهِ)!
إبْتَسَمَ لِهٰذا العنوانِ، تَراجَعَ إلىٰ حافَّةِ السَّرِيرِ، جَلَسَ يُتابِعُ قَراءَةَ الجَّريدَةِ بِعَجَلٍ وَ لَهْفَةٍ!
مَضَتْ لَحَظاتُ تَأمُّلٍ، وَ صُورُ إنتظارِ أَمَلٍ وَحِيدٍ، لا يُمكِنُ التَّفرِيطُ بهِ، لأنَّهُ لا يَتكرّرُ إذا أخذَتْهُ رِيحُ الحِرمانِ بَعيدًا!
أفاقَ مِنْ هٰذهِ اللّحَظاتِ، عِندَما رَمَتْ (فَوزيَّةُ) حالَها عَليهِ، تداعبهُ.. وَ تُحاوِلُ أنْ تَقْطَعَ عَليهِ الصَّمْتَ. وَضَعَتْ يَدَهُ علىٰ بَطنِها المُنتَفخِ، تَتَوسّلُ بِعَينَيْها أنْ يَتَحَسَّسَ جَنينَها وَ يَرْبِتَ بِخِفةٍ عَليهِ، عَلَّهُما يَسْتَمْتِعانِ بِحَرَكاتِهِ، بَيْدَ أَنَّهُ اِقْتَرَبَ أكثرَ فَأكثرَ…
— لا.. لا.. لَمْ يَبْقَ إلّا شَهرٌ واحِدٌ، وَ تَمْلَأُ السّعادةُ بَيتَنا!
… ثُمَّ اِسْتَطْرَدَتْ في حَدِيثِها:-
– هَلْ تَدْرِي أَنِّي أَكْمَلْتُ كُلَّ شيءٍ؟ المَلابِسَ.. المَلّاءَةَ.. قِطَعَ القماش.. أَقُولُ لَكَ:- ‘كُلَّ شَيءٍ.. كُلَّ شَيءٍ!’ إلَّا السَّرِيرَ بَقِيَ عَلَيكَ، وَ طَبْعًا لا يَلِيقُ بِيَ ٱلخُرُوجُ لِلْسُوقِ بهٰذي الحالِ!
تَفَلَّتَتْ مِنْهُ، أو الأَصوَبُ مِنْ بَيْنَ يَدَيهِ! تارِكَةً خِيُوطَ الأَسَفِ وَ الأَسَىٰ اللَّذِيذَينِ في عَيْنَيهِ. بَقيَ يَتَذَكَّرُ بدايَةَ علاقَتِهما مَعًا، يَتَذوَّقُ طَعْمَ هَواهُما الرِّيفِيّ، مُرَدِدًا مَعَ نَفْسِهِ:-
ما أَحْلَىٰ اللَّيالِي الّتِي أَرّقَهُ حُسْنَها، قَبلَ أَنْ يَقْدِمَ عَلىٰ الزَّواجِ بِها!

 25 total views,  1 views today

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق