حديث الجمعة للكاتب علي الشافعي مدينة في الذاكرة

34

حديث الجمعةبقلم علي الشافعي

مدينة في الذاكرة 

ما ان انتهينا من نقطة العبور الاسرائيلية بكل متاعبها ومعاناتها واوجاعها وتداعياتها على جسر الملك حسين ( اللمبي) حتى ركبنا الحافلة عابرة بنا شوارع مدينة النخيل (اريحا ) تلك المدينة التاريخية الشهيرة , حيث يقال انها اقدم مدينة سكنها البشر . انطلقنا في شوارعها الجميلة النظيفة التي تحيط بها اشجار النخيل والزينة , وهي اشجار كبيرة تظلل شوارعها وتجعلها تبدو وكأنها مسقوفة .
وصلنا الاستراحة ؛ وهي نقطة التفتيش الفلسطينية حيث تمت الاجراءات بسهولة ويسر , خرجنا الى الموقف مباشرة حيت اصوات اصحاب السيارات تنادي : (القدس نابلس الخليل رام الله جنين طولكرم ), وما ان اقتربنا من سيارات طولكرم حتى اقبل السائق يرحب بنا ويحمل معنا الامتعة , ثم انطلقنا باتجاه مدينتنا الحبيبة.
انطلقت بنا السيارة في طريق متعرج فتحتْه قوات الاحتلال ليخدم المستعمرات اليهودية الممتدة على جوانب الطريق , حيث تجد القرية الفلسطينية تحيط بها المستعمرات من كافة الجهات , الامر الذي يحدث غصة في النفس , ترافقك طوال ساعة ونصف من الزمان , حتى تطل عليك المدينة الحبيبة ساعتها فقط تحس انك ولدت من جديد , وتشعر انك في مدينة عربية عريقة , فتنزل من السيارة لتقبل ترابها الطهور .
طولكرم ــ ايها السادة كما اتذكرها ــ مدينة تاريخية صغيرة وادعة تقع في الزاوية الشمالية الغربية من فلسطين على تل قبالة الساحل الفلسطيني , ولعل أقدم آثار تاريخية عثر عليها تعود إلى القرن 13 الميلادي ، وقد ذكرتها مصادر الفرنجة باسم طوركرمى. والطور بمعنى الجبل والكرم (مزارع العنب) عليه، ويكون المعنى جبل العنب . وذكرها المقريزي باسم طوركرم، وبقيت معروفة باسم طوركرم حتى القرن الثاني عشر الهجري ، حيث حرف الطور إلى طول ودعيت باسم طولكرم . تبعد عن البحر الابيض المتوسط 15كم حيث ان اراضيها تمتد بعرض الساحل الفلسطيني في تلك المنطقة حتى البحر ولكن الاحتلال الإسرائيلي استولى على هذا الساحل بكامله ولم يبق من اراضيها من الجهة الغربية شيء , فكانت الحدود لا تبعد سوى امتار عن اخر بيت من بيوتها من الجهة الغربية , قرب جامعتها التقنية ( الخضوري).
تعود ذكرياتي فيها الى بداية الستينات من القرن المنصرم أي قبيل الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية عام 1967. طولكرم في ذلك الوقت وعلى ما اذكر كانت مدينة صغيرة , مساحتها لا تزيد عشر كيلومترات , حدودها من الشمال ما يعرف الان بدوار شويكة ومن الجنوب مثلث ارتاح فرعون اي بطول حوالي 4 كم ومن الغرب الحدود الاسرائيلية عام 1948 الى مخيمها شرقا , أي بطول حوالي2.5 كم , في وسطها شارع تجاري يمتد من الشمال الى الجنوب بطول حوالي 1.5كم يبدا من المدرسة العريقة الفريدة في طرازها العمراني مدرسة نور الدين زنكي( مبنى المحافظة الان ) وينتهي بسوق الحلال عند مثلث ارتاح , وعدد سكانها حتى عام 1967 حوالي عشرين الفا .
وطولكرم آنذاك المركز التجاري الوحيد لحوالي ثلاثين قرية تابعة لها اداريا . لذلك حوى السوق عددا من المحال التجارية المتنوعة كمحال الاقمشة والاثاث والادوات المنزلية والذهب , والتموين والحلويات وكل ما تطلبه البيوت الفلسطينية في ذلك الوقت . وكان في السوق مكتبتان شهيرتان هما مكتبة الطبري في اول السوق , ومكتبة ابي زيد في الوسط قبالة طلعة الجامع , تحويان اشهر ما انتجته المطابع الفلسطينية والعربية من مؤلفات ومجلات , وفي السوق ايضا مقهى الكرمول الشهير الذي كان يضم النخبة من رجال الفكر والسياسة والادب في الخمسينات والستينات . وفيها دارين للسينما هما الاندلس والفريد , واذكر اننا ذهبنا في رحلة مدرسية الى سينما الاندلس وشاهدنا فلم الهجرة النبوية سنة 1964, بقيت صور الفرسان على الخيل في اذهاننا حتى اليوم , لم تمحها كل الافلام التي شاهدنا بعد ذلك . وطولكرم كغيرها من المدن الفلسطينية لها اهتمام كبير بالعلم , ولعل معهدها الخضوري وهو من اقدم المعاهد الفلسطينة كان يمنح شهادة الدبلوم بعد الثانوية يؤهل الطالب ليكون معلّما , اضافة الى مدرسة طولكرم الثانوية و الفاضلية للذكور والعدوية الثانوية للإناث حيث خرجت نخبة من ابناء المدينة والتجمعات المحيطة بها , ساهمت في النهضة التعليمية في فلسطين والدول العربية المجاورة .
وسط السوق طلعة صغيرة , تفضي الى ساحة امام المسجد الكبير , ساحة متوسطة اعتدنا ان نرى فيها عربات الخضار والفواكه التي يحرص اصحابها على رصها وترتيبها بشكل يغري المشتري , وكذلك بسطات يعرض عليها القرويون ما تنتجه مزارعهم , او بيوتهم كالزعتر (الدقة) والميرمية والمخللات والمربيات والمجففات والمكانس وليف الاستحمام , وغير ذلك من تصنيع البيوت الفلسطينية التي افتقدناها هذه الايام . وكذلك البيض البلدي والفراخ والبط والحمام , وصناديق السمك بين كسرات الثلج وصلت لتوها مع الصيادين . وكان المكان يعج بالأصوات المختلفة كل ينادي على بضاعته بالطريقة التي تحلو له .
وفي السوق عربات مغلفة بصندوق زجاجي تيع البراد والبوظة والنمورة وهي (نوع من الحلويات المصنوع من السميد والسكر ملون بعدة الوان) يحرص الفقراء ومحدودو الدخل على شرائه لا طفالهم . اما الاغنياء فلا بد لهم من المرور بحلويات (ابو سماحة ) , الذي كان يقف على باب محله مرددا كلمة : ابو سماحة في الساحة . وكان في السوق ايضا مطعم صغير شهير لابد لمن يزور المدينة ان يمر به لتناول وجبة افطار يتوق اليها من الفول والحمص والفلافل بجانب شرائح الفلفل والبصل والنعناع , يبقى يذكرها ويتفاخر بها الى موعد الزيارة المقبلة , وعادة ما تكون في الاعياد , او بداية العام الدراسي , او عند تجهيز العرائس .
على بعد حوالي خمسمائة متر الى الشرق من المسجد قلعة عثمانية كانت مركزا للدرك , ثم اصبحت مركزا لقوات الاستعمار الانكليزي , ثم مركزا للجيش العربي ابان الوحدة بين الضفتين , ثم اصبحت مركزا بغيضا لقوات الاحتلال الاسرائيلي وسجنا مركزيا لها , ثم اصبح مركزا للشرطة الفلسطينية حيث قامت قوات الاحتلال بتدميره اثناء انتفاضة الاقصى المباركة , وما زال لم يسمح للسلطة الفلسطينية اعادة بنائه .
يحيط بالمدينة من الجنوب بيارات البرتقال الممتدة حتى قرية فرعون . اما من جهة الشمال فيوجد سهل بينها وبين قرية شويكة بعرض حوالي 2كم من اخصب الاراضي , ويمتد الى اول طلعة قرية بلعا , بطول حوالي 20كم يخترقه واد يمتد من جبال نابلس العملاقة , ترفده في الطريق بعض الينابيع فتبقى المياه تجري فيه حتى و قت متأخر من الصيف , يزرع هذا السهل بالخضار والموالح وخاصة الفستق والبطاطا , وكانت به بيارة مشهورة جدا ببئرها الارتوازي(النبع) هي بيارة الحاج حمد الله . هذه بعض المعالم التي اتذكرها في ذلك الوقت , لكنها الان شيء مختلف .
كسائر مدن الضفة الغربية تشهد المدينة اليوم نهضة عمرانية غير مسبوقة , فالناس هناك يقرؤون المستقبل اكثر مما يقرؤه الساسة . فهم يعرفون ان الحرب القادمة مع الاحتلال هي حرب (ديمغرافية) حرب سكان فبمقدار ما عمّرت وسكنت بمقدار ما حافظت على الارض , فالمستوطنون لا يحتلون المدن , او الاراضي المبني عليها ولا يجرؤون على دخولها , وانما يستوطنون الاراضي الفارغة . هذه النهضة ادت بالمدينة الى اتساع غير مسبوق فلا ابالغ ان قلت : انها تضاعفت عشرة اضعاف حتى ان قرى شويكة فرعون و ذنابة وارتاح اصبحت من احيائها .
لكن الذي يوجع القلب للأسف ان العمران كان عشوائيا , وغير مخطط له , قفد اعتديَ على الاراضي الزراعية الخصبة شمال وجنوب المدينة , حيث تحولت البيارات ومزارع الفستق والخضار الى قوالب اسمنتية , شملت السهل الشمالي الممتد من الحدود الاسرائيلية وحتى مفرق بلعا , وتحول الوادي الهادئ الرقراق الى مكب لمخلفات معامل البلاط والطوب وعوادم السيارات . علما ان في شرق المدينة جبالا صخرية جرداء تستوعب خمسة ملايين انسان على اقل تقدير , وهذه الاراضي يخشى عليها من استيلاء المستوطنين ان بقيت على حالها ولم تستغل .
من الناحية العلمية فقد تطور معهد الخضوري ليصبح جامعة تقنية وكثرت المدارس الاساسية والثانوية ولكن في خضم ذلك وعهد لاحتلال اختفت مكتبة الطبري وتحولت الى مطبعة لطباعة بطاقات الافراح , واختفت قهوة الكرمول الشهيرة , فلم يعد لرجال السياسة فيها مكان , فقد اقنعتهم التجارب ان الحلول السياسية مضيعة للوقت .
كثرت الاسواق في المدينة فمن سوق باريس الى سوق الصين وكثرت المولات , ولم يعد للسوق الرئيس تلك الاهمية القديمة ولم يعد بائع النمورة موجودا في مكانه , ربما افتتح هو ايضا مولا لبيع النمورة على غرار حمى المولات المنتشرة هذه الايام . وكثرت المطاعم ايضا فلم يعد لمطعم السوق نفس الشهرة ولا نفس النكهة , اذكر انني دخلت المطعم وجلست على نفس المقعد الذي كنت اجلس عليه وتناولت نفس الطعام , اقصد صحن الحمص والفول والفلافل , لكنني لم اجد نفس المذاق , ولا ادري ما الذي تغير : ذوقي او نوعية الطعام او مقدمه . واختفت ايضا ظاهرة القرويات اللواتي اعتدن بيع منتجاتهن امام المسجد الكبير , اذ لم يعدن ينتجن هذه المواد فالمصانع تكفلت بالأمر ولربما يجلسن كغيرهن يتابعن مسلسل باب الحارة ووادي الذئاب . أتمنى ان يكون التغيير دائما للأفضل , مدروسا ومخططا له بعناية . طابت اوقاتكم .

 83 total views,  1 views today

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق