حديث الجمعة بقلم على الشافعي بائعة الفجل قصة قصيرة

54

وسط السوق الرئيس في مدينة طولكرم , وعلى اليسار طلعة صغيرة تفضي الى في نهايتها المسجد الكبير , امام المسجد كالعادة ساحة واسعة , تتزاحم فيها الاقدام يوم الجمعة خاصة قبيل الصلاة , والرزق يطلب عند تزاحم الاقدام , لذلك تجدها تعج بالباعة المتجولين , وبخاصة النساء , وان كانت لا تخلو من بعض الرجال , يصطف الباعة بشكل منتظم , وكل يعرف مكانه ويعرض بضاعته بشكل جميل وجذاب ؛ من خضار وفاكة وطيور وارانب ومصنعات البيت الريفي , اغلب هؤلاء الباعة يأتي من القرى المحيطة بالمدينة , يبيعون بضاعتهم ويشترون متطلبات بيوتهم غير المتوفرة في قراهم .
في ركن من الساحة تجلس عجوز خط الزمان على صفحات وجهها الذي ما يزال يحتفظ بمسحة من جمال الاف الاخاديد , اشبه بما تفعله السيول المنحدرة من اعلى الجبال على سهل اخضر مصفر , احنت السنون ظهرها , ولكنها لم تفتّ في عزيمتها , ففي ساعديها بقايا من قوة تجعلها تحمل سلال الفجل الى الساحة , فاردة فرشا ترص عليه حزم الفجل بعناية ودقة فائقتين , تجعلك تشتهي الفجل حتى ولو كنت من زرّاعه , تجلس متربعة وتحت ركبتيها بقايا حذاء , تنادي بصوتها المتهدج الضعيف ( يلا يا فجل يلا يا فجل) .
راقبتها من بعيد , وانتظرت حتى لم يبق في جعبتها غير حزمة واحدة , اقتربت منها واشتريتها , فقالت : الله يعوض عليك يا ابني , ارحتني الله يريح قلبك , واخذت تلملم اشياءها استعدادا للرحيل , قلت : هل اخدمك يا خالة بشيء ؟ وكان الاذان قد اقترب . قالت: شربة ماء من ثلاجة المسجد سقاك الله من رحيق الجنة . ذهبت لإحضار الماء لكنني رجعت فلم اجدها , فقد غابت بين جموع المصلين وبقايا اصحاب البسطات .
عدت الى البيت عقب الصلاة وصورة العجوز لم تفارق مخيلتي , ماذا فعلت بها الايام , ما الذي يجبرها على تحمل المشاق للوصول الى السوق , هل لها ابناء , مثلها يجب ان تجلس في بيتها معززة مكرمة . صممت بحكم الفضول البشري ان اعرف كل شيء عنها مهما كلفني الثمن , حتى لو اضطررت ان اتبعها من بعيد , وانتظرت الجمعة التالية وما غابت صورتها عن مخيلتي .
يوم الجمعة وصلت الساحة مبكرا , وعيناي تطوفان في كل ركن من اركانها , حتى وقع بصري عليها , سعدت كثيرا لأنني وجدتها , وتألمت لأنها مازالت تحمل هذه الاعباء على عاتقها , اقتربت منها : صباح الخير يا خالة هل تتذكرينني ؟ اين ذهبت الجمعة الماضية ؟ احضرت لك الماء فلم اجدك . قالت : لقد حالت جموع المصلين بيننا ولم اشرب الا بعدما وصلت البيت . قلت وهل بيتك بعيد من هنا ؟ قالت لا يا بني انا اسكن في مخيم نور شمس . قلت على الفور : يا خالة أتقبلين ان اكون ضيفك ؟ احب ان اشرب كوب شاي بالنعناع من تحت يدك , فقد ذكرتني بأمي رحمها الله , قالت : انت مثل ابني اهلا وسهلا بك , قلت اذن انتظريني مكانك ريثما تنتهي الصلاة .
انتهت الصلاة فخرجت مسرعا قبل اداء السنة , فأخذت بيدها وحملت عنها السلال الفارغة وانطلقنا الى موقف سيارات المخيم الذي لا يبعد كثيرا عن الساحة , في سوق المدينة , امام مكتبة الطبري مقابل مدرسة نور الدين زنكي الشهيرتين , ركبنا باص المخيم الذي كان مشهورا بلونيه الاحمر والابيض , كتب عليه بخط كبير ( نقليات ابو علي) , في رحلة تستغرق قرابة ربع ساعة بين تحميل وتنزيل .
مخيم نور شمس ــ ايها السادة الكرام ـــ لمن لا يعرفه هو مخيم اقامته هيئة اغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين عام 1951 , بعد مرور ثلاث سنوات على نكبة فلسطين عام 1948. وذلك في أعقاب العاصفة الثلجية التي شهدتها البلاد . يقع المخيم على بعد ثلاث كيلومترات شرق مدينة طولكرم , على تلتين متقابلتين بفصل بينهما خط (طولكرم ــ نابلس) وواد صغير , ثم سكة حديد للقطار الذي كان يسير قبل الاحتلال بين المدن الفلسطينية , توقف بعدما تقطعت اوصال الوطن عام 1948 , وعند محطة سكة الحديد بقايا سجن نور شمس سيء السمعة , الذي اقامته سلطات الاستعمار البريطاني لسجن وتعذيب واعدام المجاهدين , حيث يحوي مجموعة من الزنازين الانفرادية , والمشانق التي علق عليها اعداد منهم , وقد سجن فيه شيخ المجاهدين فرحان السدي قبل فراره على يد مجموعة من المجاهدين , بجانبه بقايا مقلاع للحجر كان السجناء يجبرون على العمل فيه كأشغال شاقة (المؤقتة والمؤيدة ) , وقد شاهدت بقايا هذا السجن لكن السلطة الفلسطينية ازالت اثاره , وماتزال المنطقة تسمى المحجر .
المخيم مكون من وحدات سكنة , كل وحدة غرفة كبيرة ومطبخ اماهما مسطبة بطولهما وعرض حوالي مترين على ما اذكر , على مساحة مائة متر فقط , ومن كانت عائلته كبيرة عليه بناء غرفة اخرى بإذن مدير المخيم , وموافقة وكالة الغوث بعد مكاتبات وروتين عانى منه اهل المخيم ما عانوا , اما الحمامات فكانت في بداية الامر عامة قسم مخصص للرجال واخر للنساء , ثم لا حقا سمح للناس انشائها في البيوت .
وصلنا بيت العجوز ,غرفة متوسطة لكنها مرتبة , تشع من اركانها رائحة النظافة , فيها بعض الاثاث وادوات الطبخ , بجانبها حمام صغير وامامهما مسطبة , والمساحة المتبقية من الوحدة رتبتها وقسمتها احواضا زرعت فيها الفجل وبعض الخضار وشجرة زيتون .
ما ان دخلنا الحجرة حتى بادرت ففردت حصيرا نظيفا , وفرشت فرشة من الصوف وبعض الوسائد , من يراها يعرف مهارة من صنعتها , قالت : تفضل يا بني . جلست فأحضرت البريموس ( وابور الكاز) واشعلته وضعت عليه ابريق الشاي , قلت : يا خالة اهذه الحديقة التي تجني منها هذا المحصول ؟ قالت : اجل يا بني , قلت : بارك الله في هذه اليد , قالت : يا بني في بلدنا كانت عندي حاكورة اربع دنمات , كنت معتادة ان ازرع فيها كل ما يحتاجه البيت , ولا نشتري شيئا للأكل الا السكر والشاي والارز . قلت : الك اولاد ؟ قالت : ربي يحمي شبابك , عندي اولاد وبنات , اما البنات فكل واحدة في بيت زوجها , واما الاولاد فهم ثلاثة ــ بلعت ريقها واكملت ــ : اما الكبير فشهيد واما الثاني فهو مشروع شهيد , واما الثالث فيعمل لينفق على اسرته واسرتي اخويه , وانا اساعد فأكفيهم مؤونتي , قلت : يا خالة اعذريني على قصر فهمي لكن ما معنى مشروع شهيد ؟ قالت : الكبير استشهد في الانتفاضة المباركة , وترك اسرة مكونه من اربعة افراد , اما اخوه الاوسط فمن يومها وهو مطارد ومطلوب لسلطات الاحتلال , ولا نعرف هل يؤسر في النهاية ام يستشهد لذلك قلت لك مشروع شهيد , وهو اب لطفلتين , قلت : الوحدة صعبة يا خالة خاصة على من هم في مثل سنك لمَ لا تعيشي عند احدهم ؟ قالت : يا بني البيت وطن , في كل ركن من اركانه ذكرى لي معهم ومع ابيهم رحمه الله , هنا كنا نجلس على مائدة واحدة , وهناك ننام او نجلس نتسامر , يا بني كل ركن ولي فيه ذكرى لا تنسى , ثم كما يقول المثل (الحجر في مكانه قنطار ) , افهمت ما اقصد ؟ هززت راسي بالإيجاب .
انهت العجوز عمل الشاي وصبّته في كاسة كنا نطلق على هذا النوع في لهجتنا ( كاسات ام الجرس ) لما لها من صوت رنان اشبه بالجرس عند الرقص الشعبي بها في الاعراس , خاصة النسوة بالزي الشعبي , على ايقاع الطبلة والكف على الحان اغنية :
ميلي يا شجرة السريس ميلي يا حاملة سريس
ميلي ع محمد العريس ميلي ميت اسم الله عليه
قالت العجوز : اشرب يا بني بالهنا , وتالله ما دريت ايهما الاجمل : الشاي في الكاسة ام الكاسة نفسها . قلت ما اطيب الشاي من يديك يا خالة ؟ ثم انحنيت على يدها اقبلها . طابت اوقاتكم .

 117 total views,  1 views today

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق