الأديبة والشاعرة اللبنانية عناية حسن اخضر ” حِمَارٌ ذَكِيّ “

64

مَرَرْتُ بِقَطِيعٍ مِنَ المَواشِي يَتَرَأَّسُهُ كَرَّازُ مُاعِزٍ يُعَلَّقُ فِي عُنُقِهِ جَرَسٌ يَرنُّ كَيفَمَا تَحَرَّكَ .
وَيَحرُسُ القَطِيعُ كَلْبٌ يَتَغَنْدَرُ مِنْ حَولِهِ فَاتِحَاً فَاههُ يَلْهَثُ وَيُلاَعِبُ ذَيلَهُ وَيُرَاقِصهُ يُمْنَةً وَيُسْرَةً وَيَعوي كُلَّمَا شَذَّ أَحَدُ القَطِيعِ عَنْ مَسِيرِه المَرسوم !!
وَيَمشي خلفَ هذا القَطِيع رَاعٍ يَحمِلُ بِيَدِهِ عَصَاً يُؤَدِّبُ بِها القَطيعَ والكرَّازَ والكَلب كُلَّما أَخطاوا الخطّة .
ولَيس على المَواشي سِوى إطاعَةَ المَسائيل الثَّلاثة . الكلب والكَرّاز والرَّاعي .
وَكانَ مِنْ بَينِ القَطِيعِ حِمارٌ ذَكِي يَتَسَاءلُ بينهُ وبين نفسِهِ : ماذا لو تَركتُ الرّكبَ يسيرُ من دُوني وَتَنَحَّيتُ جَانِبَاً وَلَمْ يَلْحَظْنِي احد ، وأعُودُ أملُكُ حُرِّيَتِي فأنهَقُ سَاعَة أشَاء وكَيفَمُا أشَاء ،
وَرَفَعَ صَوتهُ قَائلاً آهٍ لِلحُرِّيةِ ما أروَعها .
وإذا بِعَصَا الرَّاعي تَهْوي على رأسِهِ فَنَهقَ الحِمارُ وَطأْطَأَ بِرَأسِهِ نحوَ الأرضِ وقالَ : لا زِلتُ حِمَاراً ، كيفَ سَهَا عن بالي أنَّهُ يجِبُ عَليّ أنْ لا أُفَكِّر !!
ورآهُ جَمَلٌ يَجُرُّهُ حَمْلٌ صغِير فضَحِكَ الجمَلُ مستهزئاً بالحِمَارِ وقَال : ” حمار وبتظلّك حمار ” غَضِبَ الحِمارَ من الجمَلِ ولَكِنَّهُ لمْ يَجرؤ على الأجابةِ خوفَ أنْ تَنزِلَ العَصَا مجددا على رَأْسِهِ ..أسَرَّها في نَفسِهِ حتّى دَخَلا الزّرِيبة وَجَلَسَا يأكُلان العلَف .
التفتَ الحمارُ الى الجمَلِ وقالَ لهُ : أنا لاَ أنكُر أنِّي حمار ولكنِّني حِمارٌ مُحترَم ويَجُرُّنِي سَيِّد القَطيع ” الرّاعي ” أمَّا انتَ ورغمَ كبر حجمِكَ وَضَخَامَتِك يَجُرُّكَ جِدي !!!.
الحُرّيّةُ في أنْ نملكَ إرَادَتنا وقرَارنا ولا يَمْلكُنا أحد !!
فمتى سنكون أحراراً ويُسمَحُ لنا بالتّفكِيرِ عِوضاً عن اتّخاذنا القرارات ؟
متى سَيُسَْمعُ صَوتُنَا أو يُؤخَذُ بِرَأيينا ونحنُ نُسَاقُ كمَا يُسَاقُ القَطِيع ؟!
متى سنقولُ لاَ في وجهِ المُستبِدّين الطُّغاة ونتَجَرَّأُ على الوقوفِ مُعلنينَ رفضَنا ضدّ التّعسُّف والظُّلم ؟!
متى سنسيرُ رُكَبَ الحضارة والتَّطور ورُكَبَ الرُّقيّ والتَّقَدُّم نحوَ القُدَاسَة الإنسُانيَّة ؟!
مَتى سنفُكّ قيود أسرِنا ونُكَسِّر الأغلالَ من أعناقِنا ونَخْرُجُ من قَفَصِ الحَيَوانِيَّةِ نحو المَلأ الأعلى ؟!
متى سنُدوسُ بأقْدَامِنا وحلَ الأرضِ ولا نغرَق ، ونخُوضُ ظُلْمَةَ الجَهْلِ ونحنُ نَحمِلُ بِيدِنا مِشعَالَ العِلْمِ والحُرّيّة ؟!
متى سَنُطفِئُ العجزَ البَشريّ بِقِنديلِ التّقوى ونصرخُ بأعلى أصواتِنا ” نحنُ الإنسان ها هُنا – موجودون – نسمعُ ونرَى .

 150 total views,  1 views today

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق