اسماعيل خوشناو مؤسسة قادح زناد الحروف (( فرع الشعر)) سيمياء اليأس في قصيدة(صرخةُ وطني) للشاعر اسماعيل خوشناو كمال عبد الرحمن ناقد من العراق

71

لاشك ان المنهجية السيميائية في رؤيتها الفلسفية((تنطلق من الشكل،في فهم الانسان،ولاتطمح الى أكثر من وصف الوجود)) على النحو الذي يكون بوسعها الكشف عن حيوية هذا الفهم وحراكه وشغله داخل كيان الشكل،ومن ثم وصف فعاليته العلامية التي تصور حساسية ذلك وتنتج معناه من خلال الكيان الوجودي للأنسان،ومن خلال فلسفة التوجّه نحو صوغ النظام الدلالي في الاشياء والرؤى المكونة لهذا الوجود داخل اعماق الدوال ونظم تشكيلاتها، أما لدى بيرس فتكون العلامة وحدة منتظمة داخل صيرورة متجانسة تدعى(semiosis) وقد اخضع بيرس العلامة للتصنيف في هذا على اجزاء العلامة الثلاثة(ماثول،موضوع،مؤول) وهذه خضعت كذلك لتقسيمات ثلاثية،وقد أسلمته نزعته الرياضية الى تقسيمات اخرى للعلامة مما جعلها تصل الى ستة وستين نوعا من العلامات.
تشتغل قصيدة الشاعر اسماعيل خوشناو هذه على حاسة انسانية تكاد تشيئن النّص فتحوله من نبض انساني راق رقيق وشفيف الى جمرة غضب لا عقل يحكمها ولاحاسة تسيطر عليها سوى صوت البرم والشعور بالغضب حد الثورة والانتفاض. تتحرك مفردات القصيدةجيئة وذهابا على ارضية نفسانية غير مستقرة،عندما تشتبك مفردة( اليأس) بمعجمها الشعري المتميز،مع الأجواء المستنفرة المستفزة للبنية الشعرية للنص،حيث تتكرر مفردة(اليأس) في صور وبدائل استعارية، يشتغل فيها الانزياح في أعلى المعاني المجازية ،و من خلال مفردات أخرى تعاضد مفردة( اليأس) وتثبت كينونتها في المعجم الشعري كـ (غاب عنه الوعي)و( عتمت نافذة الامل ) و( أنياب ) و( الجفاف) و( مأساة) وغيرها:
تبدأ القصيدة ب( ولدت وبصري غاب عنه الوعي) وتنتهي ب(يأتينا من القدر) الذي هو شكل من اشكال الأمل،ومن هنا يبدأ مربع الغضب،الذي يتشكل على النحو الآتي:
**غضب (ألأنا/ النّاص) وهو يتجلى واضحا في موجات التأزم التي تضربه من خلال اجراء مقارنة تضادية بين ( ألأنا المنتفضة= مجموعة القيم العليا ) و( القصيدة المنكسرة المكسورة = مجموعة افكار سوداء وماضِ سيء)، وبين (اليأس: هذا الوحش المخيف الذي تعاني منه القصيدة الى درجة تتعطل من خلالها حواسها الشعرية ،فتتراجع بدلا من التقدم الى أمام ).
والغضب الرابع(جدلية المذكر والمؤنث: التي فقدت رجولتها،فبات الأمر سواء بين قائم وقاعد أو حابل ونابل):
ولِدتُ وبَصري
غابَ عَنهُ الْوَعيُ
مُنْذُ أيَّامِ صِغَري
الْوَحشَةُ
عَتَمتْ نافِذَةَ الْأملِ
أنيابٌ عضَّتْ على كراماتٍ
شُيِّدَتْ لِوَطني
مُنْذُ الْبَدءِ و الْأزَلِ
لَمْ يبقَ السَّعدُ في جُملةٍ
تَسرُدُ لِلْمَسَرَّةِ
وِرداً مِنَ الخَبَرِ
كَفُّ الْغَدرِ والظُّلْمِ و الْفِتَنِ
مَسَحتُ فَمَ كُلِّ نَبْعٍ
أن العلامة(اللغوية)عند سو سير كائن مزدوج الوجه،يتكون من (دال) و(مدلول) وتعمل هذه العلامة على توصيل الدلالة وهذان العنصران،احدهما (الدال)عبارة عن صورة صوتية او سمعية او بصرية (صورة مادية)،اما الاخر (المدلول) فهو تصور(مفهوم) ذهني غير مادي،وبذلك تصبح العلامة اللغوية لديه كيانا سايكلوجيا له جانبان،يتحدان في دماغ الانسان بآصرة التداعي، ان ظاهرة(اليأس) ههنا في النص لاتشتغل على طرح المدلول الأحادي للموت( الفناء او العدم) بل تتسع لتشمل مضادات المعنى،أي(محاكمة الخطأ من أجل أحلال الصواب):
لنْ أتوقفَ عنِ السَّيرِ
رَغمَ جُرحِ أجْنحتي
فإنَّ معَ الْعُسرِ يُسراً
وحتماً هناك مخرجٌ
يأتينا من الْقدرِ
فسيمياء(اليأس) في قصيدة الشاعر اسماعيل خوشناو، لاتدل على فقدان الأمل بقدر ما تدل على الاختلاف والتمرد، ان الكثافة الشعرية الهائلة التي تتمركز في هذه البؤرة الاستهلالية: ويوماً أحتمي بِالتُرس
وبِالْمِجَن
قَدْ خَدَّرتُ عمداً
كُلَّ سياحةٍ لأجنحتي
الْعينُ في عُزلةٍ
والْقلبُ صامَ عن الْإشتهاءِ
مِنْ ريحةٍ نتنةٍ
حَلَّتْ على قلبي
وعلى الْوطنِ
وهي بؤرة عميقة الدلالة تتكشف عن طاقة رمزية،من خلال المتعاليات التي تشتغل عليها القصيدة لاحقا والتي تبلغ مدى واسعا ورحبا من اشتباك الذاكرة بالحلم،والواقع بالخيال،والحقيقة بالأسطورة، وقد يكون هذا الاشباع مما يعيق استقبال المتبقي من القصيدة لفرط غنى الاستهلال وخصبه،وتعود ألأنا الاشكالية غالبا الى ذاتها المستنفرة المستفزة المعذبة من اجل ان تمتحن قوّتها وصلابة محتوياتها على مواجهة هذا المصير الغامض والواضح في آن اشكالي معا،وكلما انطوت الأنا الشعرية على صورة اشكالية معينة كان هذا مدعاة لبعث الغموض في مصيرها،وانعكاس ذلك على لغة الشعر ووعي الشاعر لتغوص في جوف الدوال وبطاناتها وجيوبها وظلالها،في السبيل الى استظهار حقيقة الشعور العارم الذي يتلبس الحساسية ويحرك حيواتها ويشعرن موضوعها.
ان دوال اليأس المهيمنة في النص تحتشد احتشادا غير طبيعي في هذه البقع الشعرية المنتخبة من القصيدة:
** عَتَمتْ نافِذَةَ الْأملِ
أنيابٌ عضَّتْ على كراماتٍ**
كَفُّ الْغَدرِ والظُّلْمِ و الْفِتَنِ**
الْجَفافُ مَسرَحُ مَأساةٍ**
فشبكة الدوال المؤلفة لحساسية هذه المقاطع من(التصدير) الى (الخاتمة) تشتغل على آلية اليأس عبر اكثر من وسيلة تعبيرية،فالخطوط السردية المتخيلة وهي تحيل على خطوط سردية سير ذاتية تتألف من مشاهد وصور وحكايات موجزة ومكثفة،تعبر عن فضاء الحيرة والضياع والتيه،وفيض من المشاعر المتناقضة الجوالة التي لايقر لها قرار بفعل غموض التجربة والتباسها ودخولها في منطقة ضيقة وعسيرة على الخلاص.
لكن هذه(النهاية) التي نتحدث عنها،لاتعني اكثر من صرخة ألم يطلقها الشاعر ،تُجاه مايرى من جرح يمتد من اول الوطن الى آخره،اليأس ههنا،دلالة على النكوص والفشل والخراب الذي يسكن أنفسنا ،ما لم نتّحد كلمة واحدة ووطنا واحدا وانسانا قويا واحدا،فان لم نكن كذلك فلنتبوأ لأنفسنا مكانا في الموت الحقيقي، الى جانب الأمم التي غادرت تاريخها،ومجدها منذ زمن بعيد.

 153 total views,  1 views today

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق